عبد الملك الجويني

272

الشامل في أصول الدين

الثقل إلى وجود الجوهر ؟ قلنا : يفترق المذهبان من وجه ، وذلك أن القائل الأول يمنع خفة الجوهر ويقطع بثقل كل جوهر . ومن صرف الثقل إلى معنى ، يقول : قد يتصف جوهر بالثقل بأن يكون فيه اعتماد سفلي ، ويتصف جوهر بالخفة بأن يكون فيه اعتماد علوي . فعند ذلك يفترق المذهبان ، فإن من صرف الثقل إلى نفس الجوهر ، لم يصفه بالخفة إلا تجوزوا . وإذا قال : جسم أخف من جسم ، عنى بذلك قلة الأجزاء في أحدهما وكثرتها في الآخر . ومن زعم أن الثقل راجع إلى الاعتماد ، يصف الجوهر الواحد بالثقل تارة وبالخفة أخرى . ومن صار إلى أن الثقل معنى زائد على الاعتمادات ، فيثبت الخفة عرضا مضادة للثقل . فهذه جملة مذهبنا في الثقل ومعناه . فأما من قال : الثقل راجع إلى نفس الجوهر ، وتفاضل الأجسام في الثقل والخفة آئل إلى كثرة الأجزاء وقلتها ، فقد استدل على ذلك بأن قال : إذا نظرنا إلى رمانة القباني « 1 » وإلى ما يماثل حجمها من الخشب ، واستيقنا تعاظمهما في الثقل ، فنعلم أن أجزاء الرمانة أكثر وأشد اكتنازا وانضماما من أجزاء الخشبة . فآل صرف الثقل إلى أنفس الأجزاء . ومن صار إلى أن الثقل معنى زائدا ، استدل بأن قال : إذا ملأنا إناء ماء وضبطنا مبلغ وزنه ، ثم فرغناه منه ، وملأناه من الزئبق ، فيصادف الزئبق أرزن وأثقل من الماء بأضعاف مضاعفة ، والأجزاء لا تتفاضل كثرة ولا قلة . والذي يوضح ذلك أن الإناء إذا كان مفعما بالماء مترعا به ، وأجزاء الماء تتضام في مستقر العادة ولا تتجافى ، فإنها لو تجافت لتخللت فرجها أجزاء الهواء ، والماء والهواء يشتد تنافرهما في مجرى العادة . والذي يوضح ذلك أنك لو عكست قصعة على وجه الماء وتحاملت عليها انغطست وانغمرت في الماء ، ثم لو تعكست بعد الانغطاس بسرعة أجزاء الهواء التي كانت في القصعة إلى خرق الماء وقلعه والانسلال منه تصعدا ، فلو كان في أجزاء الماء فرج وخلل وهواء ، لا نبث هواء القصعة في طبقات الماء من غير انسلال منه . فإذا ثبت أن أجزاء الماء على أقصى ما تقدر من الانضمام ، فلا يتصور مع ذلك تفاضل في القلة والكثرة ، فلزم صرف الثقل إلى معنى . ومن تمسك بالمذهب الأول انفصل عن ذلك بأن قال : لسنا ننكر تجافيا في أجزاء الماء ، وإن كنا لا ندركه برأي العين . والدليل عليه أن المائع الذي امتلأ الإناء به إذا انجمد انحط عن فم الإناء ، وما ذاك إلا لاكتنان حدث في الأجزاء لم يكن ، فلسنا ننكر تخلخلا على الجملة .

--> ( 1 ) رمانة القبّان : ثقل من الحديد ونحوه يحرك على قضيب الميزان ( القبّان ) حتى يعتدل فيقرأ رقم الوزن .