عبد الملك الجويني
265
الشامل في أصول الدين
وجوّز أبو هاشم خلو القادر عن فعل أحد الضدين . فألزم على مذهبه ، وقيل له : إذا فعل الحي سكونا ، وبقي سكونه ، وانقطعت عنه قدرته ثم اتصل به أمر بالحركة على التضييق فإذا لم يتحرك المأمور بها فيأثم إذا كان الأمر على الإيجاب . فيقل لأبي هاشم : لم أثبته ولم يصدر منه فعل ؟ فقال : استحق الذم لأنه لم يفعل ما أمر به . فقيل له : استحقاق الذم محال إسناده إلى عدم ، وكيف يستبعد من القائلين بالكسب استحقاق الذم على ما لم يخترعوه من يجوز استحقاق الذم على عدم ! ! ولهذه المسألة لقب بالذّمي . ولهذه المسألة بيان في التعديل والتجويز يأتي الشرح عليها إن شاء اللّه . ومما يتصل بتحقيق هذا الفصل ، وبه يتم بعض الغرض فيما قدمناه ، ذكر اختلاف المعتزلة في استقرار الأرض وموجب ذلك لها . فالذي صار إليه الجبائي أن معظم الأرض مما يلي جهة السفل استقراره يتجدد بتجدد السكنات عليه ، ولولا تجددها لهوت الأرض . وإنما شرط تجدد السكنات فيما ذكرناه ، لأن الحادث أقوى على أصول المعتزلة من الباقي ، ولذلك قالوا : الضد الطارئ ينافي الباقي ويقتضي إعدامه . فإذا قيل لهم : هلا كان الباقي مانعا للطارئ من الطروّ ، فلا يرجعون عند توجيه السؤال إلا إلى اعتقادهم بأن الجاذب أقوى ، وهو بالمدافعة والمضادة أولى . ثم إذا وقف ما ذكرناه من الأرض لتتابع السكنات فيه ، فالذي فوقه يسكن بسكون باق إذ هو معتمد على ما تحته . فهذا أصل الجبائي . وأوضح أجوبة أبي هاشم وأبرها عند ؟ ؟ أصحابه في استقرار الأرض أن إحدى شطري الأرض ، وهو الذي يلينا ، فيه اعتمادات سفلية ؛ والشطر الآخر من الأرض من جهة تحت ، خلق اللّه تعالى فيه اعتمادات علوّه . فإذا اعتدلت اعتمادات الشطرين تسفلا وتصعدا ، اقتضى ذلك استقرارا ، وتنزلت الأرض منزلة جسم يتجاذبه مسويان في القوة والآلة . فيقتضي ذلك وقوف الجسم بينهما . وقال أبو هاشم : لولا ما صورته من الاعتمادات العلوية في بعض الأرض ، لما تصور سكونها إلا على تقدير التجدد ولا على تقدير البقاء ، ولا يستقر عنده جسم ثقيل إلا بأن نقدر في بعضه اعتمادا علويا . وسنبسط قوله في باب الاعتمادات . وذكر بعض المتحذقين من متأخري المعتزلة مسألة مترتبة على قياس أصولهم ، وذلك أنه قال : لو زالت سكنات الأرض بأن لم تتجدد على قول الجبائي ، وزال الاعتماد العلوي على ما اختاره أبو هاشم ، فتهوي الأرض لا محالة . فلو خلق اللّه تعالى تحت الأرض صفحة منبسطة على عرض الأرض متركبة من أفراد الجواهر ، فما القول في ذلك ؟ فذهب بعض المتأخرين إلى أن تلك الصفحة تمسك الأرض في حال حدوثها وإن لم تختص بزيادة اعتمادات وكثرة تأليفات . وإنما قال ذلك لأن الشيء في حال حدوثه يستحيل