عبد الملك الجويني

264

الشامل في أصول الدين

وذهب ابنه أبو هاشم في آخر أجوبته ، إلى أن الحركة باقية ، فإنه لا معنى لها إلا الكون في المكان الثاني بعد الكون في غيره ، والكون في المكان الثاني في الحالة الثانية هو الكون في الحالة الأولى . ولا تخفى أصولنا في ذلك . فإنا نمنع بقاء جميع الأعراض . وإنما ينشأ الاختلاف بينهم من أصل : وهو أن الجبائي وأتباعه صاروا إلى أن الحركة تخالف السكون . وأنكر أبو هاشم ذلك ، فقال : الحركة في المكان الأول عين السكون في المكان الثاني ، وهذا مذهبنا . ولو كنا من القائلين ببقاء الأعراض ، لحكمنا ببقاء الكون في المكان الثاني كما صار إليه أبو هاشم ، فهو القياس مع القول ببقاء الأعراض . وأقصى ما تمسك به الجبائي شيئان : أحدهما : اختلاف المنظرة ، وقد سبق الجواب عن ذلك في مسائل التأليف . والثاني : أنه قال : الحركة التي هي كون في المكان الثاني توجب الخروج من المكان الأول وقطعه إلى غيره ، والكون الثاني في المكان الثاني لا يوجب ذلك ، وهذا من ركيك القول ، فإنا أوضحنا فيما قدمنا ، أن الخروج غير الدخول . ولا فرق بين قول القائل : الدخول يوجب الخروج وبين قوله : الدخول يوجب الدخول ، فلم يتحصل مما قاله شيء إلا أن الكون في المكان الثاني يضاد الكون في المكان الأول . وهذا المعنى متحقق في الكون الثاني في المكان الثاني تحققه في الأول . ومما اختلفوا فيه : أن أبا هاشم ومعظم المعتزلة ، صاروا إلى القول ببقاء السكون مطلقا من غير تفصيل . ومن منع بقاء الحركة لم يمنع بقاء السكون . وذهب الجبائي إلى أن السكون لا يبقى في حالتين : إحداهما أن الجسم الثقيل الهاوي بما فيه من الاعتمادات إذا أمسكه اللّه تعالى في الجو [ و ] لم يكن تحته عماد يمسكه ويقله ، فتتجدد السكنات على الجسم في هذه الحال ولا يبقى له سكون . ولولا تجدد السكنات وتعاقبها ، لزال الجسم الثقيل هاويا إذا لان . فأما إذا كان الجسم معتمدا على جسم تحته يقله ، فسكون الجسم المعتمد باق عند الجبائي . وذهب غيره إلى الحكم ببقاء السكون في الحالين . والقياس مع القول ببقاء الأعراض خلاف ما اختاره الجبائي . فهذه إحدى الصورتين اللتين حكم الجبائي فيهما بأن السكون لا يبقى . والصورة الأخرى : السكون المقدور للحيّ الواقع في محل قدرته فهو غير باق عند الجبائي . وإنما حمله على ذلك قوله : إن القادر منا على الفعل والترك لا يجوز أن يخلو عن أحدهما ، فلو فعل سكونا وحكمنا ببقائه ، فيشتغل المحل به عن سكون آخر ، فيبقى القادر على الحركة والسكون لا يفعل بقدرته حركة ولا سكونا .