عبد الملك الجويني
259
الشامل في أصول الدين
وله أن يقول أيضا : إنما يدرك اللامس تأليفا يتعلق بما يتعلق به اللمس ، ولا يدرك تأليفا معلقا بما لم يتعلق به اللمس . ولهم في الإدراكات شرائط أبعد من ذلك ، فلا بعد في أن يشترط في إدراك التأليف كونه غير متعلق بغير ملموس . فقد وضح بما قلناه إنه لم يستقر لواحد منهما قدم في هذه المسألة . وأما المسألة الثانية فهي : أن التأليف هل يتصور وقوعه مباشرا بالقدرة ، أم لا يقع إلا متولدا ؟ أما الذي صار إليه الجبائي : أن التأليف يجوز وقوعه مباشرا بالقدرة ويجوز وقوعه متولدا . والذي ارتضاه أبو هاشم أنه لا يقع إلا متولدا ، إذ من شأن كل مباشر بالقدرة تصور وقوعه دون ما يولده لو لم يكن مباشرا ، ولا يتصور وقوع التأليف دون المجاورة . وسنبسط القول في ذلك في أحكام التولد ، إن شاء اللّه تعالى . أما المسألة الثالثة فهي : أن المجاورة هل تولد التأليف من غير رطوبة في أحد الجوهرين ويبوسة في الثاني ؟ فالذي صار إليه معظم من مال إلى التحقيق من المعتزلة أن المجاورة تولد التأليف بين المتجاورين من غير تقدير رطوبة في أحدهما ويبوسة الثاني . وذهب شرذمة منهم إلى أن المجاورة لا تولد التأليف إلا عند رطوبة أحد الجوهرين ويبوسة الثاني . وقد استدل من أبى ذلك بأن قال : لو شرطنا ضربا من البلة واليبوسة في قيام التأليف لكنا قدحنا بذلك في أصل من أصولنا ، إذ من أصولنا أن كل عرض لا يتحقق حكمه بمحله بل يثبت الحكم منه للجملة التي المحل منها ، فلا يثبت عرض هذا وصفه إلا مع بنية مخصوصة في الجملة ، وبلة ورطوبة ويبوسة وحرارة [ و ] برودة على اعتدال . وكل عرض يختص حكمه بمحله ولا يتعداه ، فلا يشترط في قيامه بالجوهر إلا وجوده مع انتفاء أضداده عن محله . فلو شرطنا في التأليف رطوبة ويبوسة على اعتدال ، للزمنا أن نجزم الأصل الذي مهدناه ، إذ التأليف مما لا يتعدى حكمه إلى الجملة ، بل يختص حكمه بما قام به . فلو جاز أن يشترط فيه بلة ورطوبة ، لجاز اشتراط مثل ذلك في الألوان والطعوم وغيرهما من أجناس الأعراض . وليس للمعترض أن يعترض عليهم بأن يقول : التأليف مما يتعلق حكمه بجملة ، إذ ثبت لجوهرين حكم تأليف واحد . وهذا لا يلزمهم على ما مهدوه ، فإن المعنى يتعدى