عبد الملك الجويني

256

الشامل في أصول الدين

ومما نتمسك به في المسألة أن نقول : قد وافقتمونا على قيام العلم بالمحل الواحد ، وامتناع قيامه بمحلين . وإذا سبرنا أوصاف العلم وقسمناها ، لم نصادف صفة من صفاته تتضمن منع القيام بمحلين إلا ومثل تلك الصفة متحقق في التأليف . فإنا إذا نظرنا إلى كون العلم عرضا أو حادثا أو موجودا ، ألفينا ذلك كله في التأليف . وإذا نظرنا إلى اتحاد العلم ، وجدناه في التأليف . فما المانع من قيام علم بمحلين ؟ ! وهذا ما يجدون فيه فصلا . والذي يقرر ذلك ويوضحه : أن حكم العلم ، على مقتضى أصولهم ، لا يختص بمحله ، بل يثبت للجملة . فما المانع من قيامه بالجملة من حيث يثبت الحكم كما يثبت حكم التأليف للجوهرين ، إذ كان التأليف الواحد قائما بهما . وهذا لا مخلص للخصم منه . والذي يحققه أنهم قالوا : إذا قام جزء من العلم بالسواد بجزء من القلب ، استحال أن يقوم بجزء من القلب آخر جهلا بذلك السواد . وحكموا بمضادة الجهل للعلم في محلين ، كما أحالوا قيام مباينة بأحد المتألفين مع بقاء التأليف في الثاني ، فوضح ذلك في التأليف . ومما نتمسك به أن نقول : التأليف عندكم متولد من المجاورة ، والتأليف باق ، والمباينة لا تضاده بل تضاد المجاورة ، ومن قضية أصلكم أن كل متسبب باق متولد عن سبب لا يعدم بعدم سببه ، إذ السبب مع المسبب كالقدرة مع المقدور . ثم إذا أثرت القدرة في إيجاد باق من الأعراض ، ثم انتفت القدرة بالعجز ، لم يجب من انتفائها انتفاء المقدر ، فكذلك لا يجب انتفاء المسبب ، إذا كان باقيا بانتفاء السبب . فينبغي أن تحكموا ببقاء التأليف ، مع بطلان المجاورة بالمباينة جريا على الأصول التي قدمناها . وسلك القاضي منهم طريقة أخرى فقال : نحن نعلم أن المباينة تنافي التأليف إذا قامت بمحل التأليف ، كما نعلم منافاة الجهل للعلم . وليس إنكار التضاد بين المباينة والتأليف إلا بمثابة إنكار المضادة بين الجهل والعلم مع القطع باستحالة اجتماعهما ، وهذا واضح لم نبسطه لتقرره في أحكام التضاد إن شاء اللّه . وليس مع المعتزلة شبهة يتمسكون بها إلا من جهة واحدة ، وذلك أنهم قالوا : نحن نرى متجاورين يتيسر رفع أحدهما من غير محاولة ومكابدة وتصديع وتفكيك ، ونرى جوهرين يصعب قلب أحدهما من الآخر . فينبغي أن يكون ذلك لزيادة معنى ، ولا وجه فيه إلا أن يقال : يقوم بهما جميعا تأليف واحد ، فيصيرهما في الارتباط كالجوهر الواحد ، ولذلك يصعب الشق والتفكيك . وهذا الذي قالوه لا محصول له . وأول ما فيه أنهم بنوه على التوليد ، ومن قضية أصلنا أن لا تتعلق قدرتنا بدفع جوهر ولا بضم جوهر إلى جوهر ، إذ قدر ذلك مباينا عن محل