عبد الملك الجويني

254

الشامل في أصول الدين

ثم نقول : معولنا في إثبات الحركة على أن الجوهر كان مختصا بحيز ، ثم صار مختصا بغيره مع جواز أن يبقى على استقراره . فهذا هو المعتمد في إثبات الحركة ، وهو غير متحقق في الجوهر المستقر إذا انضم إليه غيره ، إذ لم يتبدل عليه حيزه ، فافهموه . ومما يتمسك به ناصر مذهب شيخنا أن يقول : إذا ماسّ جسم حساس جسما ، أحسّ المماسة وأدركها ، كما نحس كل محسوس ، ونعلم أنه طرأ عليه بانضمام جسم إليه ما لم يكن قبل . قال : وجاحد ذلك يقرب من جحد الضرورة . وهذا تدليس أيضا ، فإن الذي يحسه الجسم الحساس حرارة ما انضم إليه أو برودته أو لينه أو خشونته . فأما أن يحس كونه قائما به ، فلم تجر بذلك عادة . والمعنى الزائد الذي صادفه الحساس في نفسه هو إدراكه للحرارة أو البرودة ، أو الليونة أو الخشونة . والذي يوضح ذلك أن الجسم قد يمرن على ملاقاة جسم على طول الدهر حتى يخيل إليه أنه غير مماس له ، وهكذا سبيل كل أحد في ملاقاة الهواء على ركوده ، فاندفع السؤال . وقد جوّز شيخنا رضي اللّه عنه أن يدرك المدرك حرارة ما بعد عنه ولينه وخشونته ، وأجرى اللّه العادة بذلك . فصل [ مسلك المعتزلة في إثبات المماسة ] قد سلك المتأخرون من المعتزلة مسلكا آخر يخالف مسلك شيخنا في إثبات المماسة ، فقالوا : إذا تجاور جوهران واختص أحدهما برطوبة والآخر بيبوسة ، ولّدت المجاورة في هذه الحالة بين الجوهرين تأليفا واحدا قائما بهما جميعا . وإنما يصعب تفكيك الجوهرين المتألفين لقيام تأليف واحد بهما ، فهو في حكم الرابط لأحدهما بالثاني . وصار إلى هذا المذهب جملة المتحذقين من معتزلة البصرة . وإذا وقع الجوهر بين ستة من الجواهر ، وتألفت الجواهر ، فقد اختلفت في ذلك المعتزلة فصار بعضهم إلى : أنه يقوم بالجواهر السبعة تأليف واحد . وتمسك بأنه إذا لم يبعد انقسام تأليف على جوهرين ، لم يبعد ذلك في الجواهر . ومن حقق منهم أبى ذلك وأنكره ، وصار إلى أن الجوهر إذا تألف مع ستة من الجواهر فتقوم بالجملة ست من التأليفات . ولم يصر منهم صائر إلى إثبات سبعة من التأليفات . إذ لو قالوا ذلك لانفراد كل جزء بتأليف ، ولا يتحقق مع ذلك قيام التأليف بجزءين . واستدل هؤلاء على إبطال قول من قال : إن التأليف الواحد يقع الاجتزاء به بأن قالوا : المباينة بين الجوهرين وإن لم تضاد التأليف ، فهو تضاد شرط التأليف وهو المجاورة . فإذا قدرنا جوهرا بين ستة ، ثم زال واحد عن صفة