عبد الملك الجويني

253

الشامل في أصول الدين

يوجبه خلافه . فإن العلم الموجب لمحله كونه عالما ، لما كان مخالفا للإرادة ، استحال سد الإرادة مسد العلم في إيجاب حكمه ، وهذا واضح لا خفاء به . ولا مخلص منه إلا تقدير كون سابع ، وهو خلاف أصل شيخنا . ومما نستدل به على من قال : المجاورة غير المماسة أن نقول : لا يجوز تقدير مجاورة من غير مماسة ، ولا تقدير مماسة من غير مجاورة والمعنى الواحد لا بد من إثباته ، ولم تقم دلالة على غيره . فيجب القطع بالواحد ونفي ما عداه . وبهذه الطريقة نتوصل إلى الحكم باتحاد العلل . ولأجلها قطعنا بأن الحركة عن المكان الأول غير السكون في المكان الثاني . وليس من أثبت المماسة معنى زائدا على المجاورة بأسعد حالا ممن أثبت الحركة والسكون زائدين على السكون المخصص بالحيز . وبمثل هذه الطريقة ، توصلنا إلى أن الأمر بالشيء نهي عن أضداد المأمور به من حيث لم أرم الحكمان ، ولم تقدم دلالة على تعدد المعنيين . فإن استدل من نصر مذهب شيخنا في إثبات المماسات بأن قال : كل ما يدل على أن الحركة معنى ، فهو بعينه دال على أن المماسة معنى . قلنا : إنما ندرك ما نرومه بالحركة اختلاف المنظرة على الجوهر . فإذا رأينا جوهرا على منظرة السكون ، ثم رأيناه على هيئة الحركة وأدركنا التفرقة بين الحالتين ، أسندناهما بعد السبر والتقسيم إلى إثبات معنى . وهذا بعينه متقرر في مفترقين اجتمعا ، وفي مجتمعين افترقا . فيجب القطع بإثبات الاجتماع مخالفا لما قبله . وسبيل الجواب عن ذلك أن نقول : إن كان التعويل على اختلاف المنظرة ، وجب لذلك أن يقال : إذا تباعد جوهران ثم افترقا ، ولم يبق بينهما إلا تقدير حيز واحد ، فيجب أن يكون افتراقهما عرضا مخالفا كالمماسة المخالفة لأغيارها من الأكوان . ووجه إلزام ذلك أن المنظرة قد اختلفت بقرب الجوهرين ، كما اختلفت باجتماعهما . فإن رام المخالف خروجا من ذلك وقال : كونها في القرب يخالف كونها في البعد ، فإنهما في تباعدهما مختصان بحيزين ، وهما في قربهما مختصان بحيزين آخرين ، فقد وضح مخالفة كونهما في قربها لكونهما في بعدهما ، وهذا تدليس . فإنهم إن اكتفوا بذلك ، وقلنا بمثله في المجتمعين ، فإن الجوهرين المتباعدين إذا تدانيا وتزحزح كل واحد من حيزه نحو الآخر ، حتى لم يبق بينهما حيز ، فكونيهما الآن خلاف كونيهما قبل بلا شك . والخصم لا يكتفي بذلك ، بل يثبت المماسة زائدة على الكون المخصص بالحيز . ويظهر مقصودنا في أن نصور جوهرا مستقرا قد قرب منه جوهر آخر ، فقد اختلفت المنظرة . ولم يختلف كون المستقر في هذه الصورة .