عبد الملك الجويني

251

الشامل في أصول الدين

مفارقا لها ، فإنما يفارق الأجزاء التي تحاذيه وهي متعينة في معلوم اللّه . ولو تأتت منا خطوط مستقيمة إلى الجواهر الست لتعينت لنا . فإذا كان موقع الجوهر هكذا ، فنقطع بأنه يفارق جواهر معينة وهي الجواهر التي تحاذيه من الجهات الست فأما إذا كان الجوهر مستغنيا عن الجواهر أو مستقلا عنها ، فهو مفارق لجزء واحد يحاذيه من جهة تحت أو من جهة فوق ، ويفارق خمسة من الجواهر لا بأعيانها . وهذا التفصيل الذي ذكره حسن ، ولكن فيه نظر . فإنا إذا صورنا جوهرا ممتوشا بالجواهر مباينا لها ، فالجواهر التي تحاذيه يجوز تقدير مماستها له لو جرت إليه مع بقاء المحاذيات في أحيازها . وكل جوهر جاز تقدير المجاورة بينه وبين جوهر ، جاز تقدير المباينة بينهما . وتقدير المجاورة لم يختص بالجواهر المحاذية ، فيجب أن لا يختص تقدير المباينة بها . وهذه المذاهب بجملتها لم يرتض القاضي معظمها في بعض أجوبته . وسلك مذهبا في الاجتماع والافتراق ، ولا يصح عندي سواه . وذلك أنه قال : لا حكم للجوهر من الكون إلا اختصاصه بحيزه ، وإذا اختص بحيزه وإذا اختص بحيزه وتتابعت له الأكوان في ذلك الحيز الواحد ، فلو انضم إليه جوهر فهو على ما كان عليه من اختصاصه ما تبدلت صفته ، وانضمام الجوهر لم يغير حكمه في قضية العقل ، والتسميات تعتور الكون من غير تقدير زائد في العقل . فإذا كان الجوهر فردا ، سمي الذي يخصصه بحيزه كونا : حركة أو سكونا . فإذا انضم إليه جوهر آخر كان الكون المتجدد عليه بعد الانضمام مماثلا للكون الذي كان قبله ، وليس يسمى مع انضمام جوهر إليه اجتماعا ومجاورة ومماسة . فإذا فارقه ذلك الجوهر ، سمى الكون المتجدد على الجوهر المستقر في حيزه مباينة ، فتتبدل عليه التسميات والأكوان لا تختلف . ومن قضية هذا المذهب : أنه لا تختلف الأكوان [ إذ ] يوجب أحدهما التخصيص بحيز ويوجب الآخر التخصيص بغيره . ويخرج من مضمون هذه الطريقة أن الجوهر إذا أحاطت به ست من الجواهر ، فلا يقوم به إلا كون واحد ، إذ لا حكم للجوهر المتوسط بين الجواهر المطبقة به . ولا معنى لتماس الجوهرين إلا أنهما تثبتا في حيزين ليس بينهما موقع لجوهر ثالث ، وحكم كل جوهر من الجواهر اختصاصه بحيزه . وهذه الطريقة هي التي نتصورها ونوضح بالأدلة صحتها . ونذكر عمد شيخنا وما عول عليه موافقوه ، ونتقصى عنها إن شاء اللّه . فأما الدليل على صحة ما ارتضيناه فأوجه : أحدها أن نقول : إذا استقر الجوهر في حيزه ، ثم انضم إليه جوهر آخر فلا يخلو من يخالفنا في المسألة : إما أن يقول حالة الجوهر