عبد الملك الجويني
250
الشامل في أصول الدين
التجاور . فهذا وجه كشف قوله . ومما يتعلق بالذي نحن فيه أن قائلا لو قال : إذا ماس الجوهر جوهرا من جهة ، فهل يجوز أن يقال إنه مباين له من سائر الجهات مماس له من جهة واحدة ؟ فالذي صار إليه بعض المتكلمين إطلاق ذلك . والذي ارتضاه الأستاذ شيخي أبو القاسم الأسفراييني أن ذلك ممتنع . فإن الشيء إنما يباين ما يباينه على الوجه الذي يجوز أن يماسه عليه . فإذا استحال أن يماس الجوهر جوهرا من جهتين فصاعدا ، استحال تقدير المباينة في جهتين ، وكذلك يستحيل تقدير مماسة في جهة مع ثبوتها في أخرى . واستتبع بمماسة الجوهر جوهرا وجود المباينة بينهما من كل وجه ، وهذا هو السديد الذي لا يجوز غيره . ومما ذكره المحققون في أحكام الاجتماع والافتراق أن قالوا : يجوز تقدير الافتراق في جملة جواهر العالم حتى تكون مفترقة لا اجتماع فيها ولا يجوز تقديرها مجتمعة حتى لا يكون فيها افتراق . وإيضاح ذلك أن جواهر العالم لو تبددت ، وزالت تركيباتها ، واختص كل جوهر بحيز ، فهي مفترقة على الحقيقة ، ولا اجتماع في شيء منها . ولو تركبت جملة جواهر العالم وتمثلت متألفة فالأجزاء الباطنة التي أحدقت بها الجواهر من جهاتها لا مفارقة فيها . والأجزاء الظاهرة البارزة التي هي الصفحة العليا ، فيها الافتراق . فإن الجواهر لم تحط بها من كل الجهات . فإن قال قائل : فكم تثبتون في كل جوهر من الافتراق ؟ قلنا : في كل جوهر مباينة واحدة على ما أصلناه من المباينات . إذ كل جوهر من الصفحة العليا يماس جوهرا تحته وآخر يمينه ، وآخر يساره ، وآخر قدامه ، وآخر وراءه ، وتبقى جهة واحدة لا يماس منها جواهر . وهذا واضح لا خفاء به . ومما ينبغي أن يتقدم على ذكر الحجاج في المسألة : أن الجوهر الفرد لا يفارق جملة جواهر العالم . وهذا مما تقدم في تضاعيف الكلام ، ولكنا نزيده إيضاحا فنقول : إنما يباين الشيء ما يتصور مماسة له بدلا من المباينة ، ولا يتصور أن يماس الجوهر أكثر من ستة من الجواهر ولا يباين أكثر من ستة ، إذ كل مباينة ثابتة فلها ضد من المماسة يعاقبها . فإذا انحصرت المماسات في الست وجب انحصار المباينات . ثم قد قدمنا من أصل الأستاذ أن الجوهر الفرد يباين ستة من الجواهر من غير تعيين . وقد ذكر شيخي في ذلك طريقة مرضية فقال : الجوهر يفارق ستة من الجواهر على التعيين ويختلف ذلك بموقع الجوهر من الجواهر . فإن وقع بين الجواهر ولم يجاورها ، بل كان