عبد الملك الجويني
25
الشامل في أصول الدين
وذهب هشام بن الحكم « 1 » إلى أن الشيء : هو الجسم . وسبيلنا أن نوضح الرد أولا على المعتزلة ، ونورد شبههم ونتقصى عنها ، ثم نومئ إلى وجوه الرد على سائر أولا المخالفين . فأما الدليل على فساد مذهب المعتزلة البصريين فأوجه : أحدها : أن نقول لهم : إذا اخترع اللّه سبحانه وتعالى الجواهر والأعراض ؛ فلا بد أن يكون لكونه قادرا تأثير في المقدور ، أو لا بد من تشبث مقدور ، ثم المقدور المخترع من أثر القدرة اتفاقا . فزاد المعتزلة على أهل الحق واستنكروا قدرة كافية لا تؤثر في الاختراع ، وأبوا ذلك وجهلوا معتقده ؛ وزعموا أن من صفة القدرة أن تؤثر في مقدورها . فإذا ثبت ذلك ، طالبنا المعتزلة بعده بإيضاح الأثر في المقدور والمخترع وقلنا لهم : أتزعمون أن كون الحادث شيئا وكونه جوهرا أو عرضا من أثر القدرة أم تأبون ذلك ؟ ولا سبيل لهم إلى أن يقولوا : إن كونه شيئا من أثر القدرة ، إذ قد كان شيئا على أصلهم في العدم . وإن زعموا أن أثر القدرة الحدوث ، قيل لنفاة الأحوال منهم : الحدوث كون الحادث شيئا ، أم وصف زائد عليه ؟ فإن زعموا أنه عن كونه شيئا ، ( فقد صرحوا بأن كونه شيئا ليس من أثر القدرة . ثم قالوا : حدوثه عن كونه شيئا ) وهذا إفصاح بنفي أثر القدرة . وإن زعموا أن الحدوث وصف زائد على الذات لم يستقم منهم مع القول بنفي الأحوال . وإن كان الخصم من مثبتي الأحوال كأبي هاشم ومتبعيه ، قيل له : لما أثبت أبو هاشم الأحوال ، زعم أنها ليست بمعلومة ولا مجهولة وليست بمقدورة ولا معجوز عنها ، فقد صرح بأن الحال ليست بمقدورة ، وثبت أن الذات في كونها ذاتا غير مقدورة ، فإذا خرج الذات والحال عن كونهما مقدورين ، فقد انتفى أثر القدرة . والذي يوضح ذلك : أن المقدور منا يفعل ، والذات في كونها ذاتا لا تفعل ، وكذلك الحال لا يفعل ، فلزمهم نفي تعلق القدرة ونفي تأثيرها ، وهذا لا مخلص لهم منه . وإن نفينا القول بالأحوال ، وأبطلنا إثبات ما لا يوصف بالوجود والعدم ، وكونه معلوما ، أو مجهولا ، لم يبق الخصم متعلق .
--> ( 1 ) هشام بن الحكم الشيباني بالولاء الكوفي ، أبو محمد ( . . . - نحو 190 ه - . . . - نحو 805 م ) . متكلم مناظر ، كان شيخ الإمامية في وقته ، ولد بالكوفة ، ونشأ بواسط . وسكن بغداد . له كتب منها « الإمامة » و « القدر » و « الشيخ والغلام » وغير ذلك . كان حاضر الجواب ، ولما حدثت نكبة البرامكة استتر وتوفي على أثرها بالكوفة ، ويقال : عاش إلى خلافة المأمون . الأعلام 7 / 85 .