عبد الملك الجويني

249

الشامل في أصول الدين

بالجوهر الذي كان مماسا حتى تثبت المباينة مع تلك الجواهر المتعينة ؟ فقال مرة : إذا تقدمت المماسات ثم تلتها المباينات فهي مباينات للجواهر التي تعينت للمماسة . وإنما لا تتعين المباينة إذا لم تتقدم مماسة . واستدل على ذلك بأن قال : كان علمنا مماسة جوهر متعين من جهة الجهات علمنا مباينة ذلك الجوهر بعينه ، فلزم القطع بالتعيين من حيث لزم القطع به في المماسة . وإنما لا تتعين المماسة إذا لم يتقدم تعين في حكم المماسة . وقال في جواب آخر : إذا زالت الجواهر الست عن جهات الجوهر المتوسط ، حلّت الجوهر ست مباينات مع ستة من الجواهر من غير تعيين . وهذا أصح الجوابين ، فإنا نعلم أن مباينة الجوهر للجواهر قبل اتفاق مماسة كمباينته لها بعد اتفاق المماسة . فإذا لزم نفي التعيين في إحدى الحالتين ، لزم مثله في الأخرى وعاد الجوهر بعد المماسة إلى ما كان عليه قبلها . ومما ذكره الأستاذ في أحكام المباينة أن يقال : إذا قدرنا جوهرين متباينين وبينهما تقدير حيزين لجوهرين ، ثم وقع جوهر ثالث في أحد الحيزين المتوسطين ، فإن وقع في الحيز الذي يلي أحد الجوهرين فقد قرب منه وبعد من الآخر . وقربه من أحدهما عين بعده من الآخر . وقد أطلق المحققون خلاف ذلك فقالوا : القرب من أحد الجوهرين غير البعد من الثاني ، كما أن الحركة عن المكان الأول غير السكون في المكان الثاني . وكما أن الأمر بالشيء غير النهي عن أضداده . والذي قاله الأستاذ سديد على أصله ، فإن من مذهبه أن الجوهر إذا جاور جوهرا تثبت فيه خمس من المباينات . ثم حقق الأستاذ مذهبه بأن قال : لو جعلت الجوهر قريبا بعيدا بمعنى واحد لزمني أن أقول : إذا قرب الجوهر من جوهر يقرب ويبعد من آخر ببعد وهو عين القرب . فإذا زال البعد ، بأن يدنوا الجوهر البعيد فيجاور الجوهر المتوسط ، فيلزم من ذلك زوال البعد لمضادة القرب إياه ، ثم إذا زال البعد ، لزم منه زوال القرب إذ المعنى الواحد يستحيل أن ينتفي بالمضادة من وجه ، ويبقى من وجه . ويتمثل في ذلك بأمر قدره وإن لم يكن ذلك جائزا . ومن ذلك نفي ذوي التحقيق الاستشهاد بالتقديرات فقالوا : لو قدرنا سوادا حلاوة ، وسبق إليه اعتقاد معتقد ، فلو طرأ البياض على حله ، انتفى السواد من حيث كان بياضا ، وإن لم يكن يضاده في كونه حلاوة . فلما ثبت في الذي نحن فيه إذ القرب لا يزول بزوال البعد ، دلّ على أن البعد غير القرب . والبعد عند الأستاذ هو المباينة ، والقرب هو