عبد الملك الجويني
246
الشامل في أصول الدين
متحركا . وليس هذا بأعظم من قول المحققين : إن الجوهر إذا ماسّه ستة من الجواهر ، فليس بمفارق لها . وكما لم يباين الجواهر الستة ، فكذلك لم يباين شيئا من جواهر العالم . فإن لم يبعد إطلاق لقول بأن الجوهر المتوسط ليس بمباين لشيء من جواهر العالم ، لم يبعد إطلاق القول بأنه ليس بمتحرك . وزلّ من لم يحصل حقائق الأكوان من هذا الأصل في مثيله فقال : إذا استقر جوهر على جوهر ثم تزحزح الجوهر المتسفل والجوهر الأعلى مستقر عليه زائل بزواله ، فالمتحرك هو المتسفل دون المستقر عليه . وكذلك إذا جرت السفينة بركبانها ولم تزعجهم ولم تهزهم ، فالسفينة هي المتحركة دون الركبان . وهذا الذي قاله هذا القائل ظاهر البطلان . فإن الأعلى قد تحققت فيه مزايلة الأحياز وشغل أمثالها . وتحقق منه خرق أجزاء الهواء كما تحقق ذلك من المتسفل ، فلا معنى لنفي الحركة عنه . والذي يوضح الحق في ذلك : أن اتصال الأعلى بالأسفل كاتصال الأسفل بالأعلى . فإن لزم إخراج الأعلى عن حكم الحركة ، لزم ذلك في الأسفل ، إذ سبيل اتصالهما واحد . ولا معنى لقول القائل جرى المتسفل بالأعلى ، فإن حركة المتسفل لا توجب حركة المستعلي ، بل حدث في كل واحد منهما حركة ، ولا توجب حركة واحد منهما حركة الآخر . فصل مشتمل على أحكام الاجتماع والافتراق والمماسات والمباينات اعلموا وفقكم اللّه أن الأئمة اختلفوا في المماسات والمباينات . وسبيلنا أن نستقصي ذكر المذاهب ، ثم نذكر ما نرتضيه ونصححه . فالذي صار إليه شيخنا : أن المماسة معنى زائد على الكون الذي يخصص الجوهر بمكان أو تقدير مكان ويظهر غرضنا في فرض الكلام في صورة مخصوصة ، فنقول : إذا قدرنا جوهرا واحدا منفردا ففيه كون يخصصه بحيزه . فإذا خلق اللّه تعالى جوهرا آخر منضما إليه ، فمن مذهب شيخنا أن مماسة الجوهر للجوهر عرض زائد على الكون المقتضي اختصاصا بالحيز . ثم قال على طرد أصله : لو ماس الجوهر فقد حلّته ستة من الجواهر ست من المماسات . ثم المماسات من الجهات الست مختلفة عنده غير متضادة . وكيف يتوقع تضاد ما مع تصور اجتماعها ؟ ! وإنما يتضاد المتماسان من جهة واحدة ، إذ لا يتصور مماسة الجوهر جوهرين من جهة واحدة . ثم المماستان المقدرتان من جهة واحدة على التعاقب متماثلتان . فيخرج من ذلك أن المماستين المتماثلتين تتضادان أبدا ، والمختلفتان لا تتضادان أبدا .