عبد الملك الجويني
243
الشامل في أصول الدين
وجملة القول في ذلك أن كل كونين يوجب كل واحد منهما الاختصاص بمكان يغاير المكان الذي يوجب الكون الآخر الاختصاص به ، فهما متضادان يستحيل اجتماعهما بلا شك فيه . وكل كونين يوجبان التخصيص بالمكان الواحد فهما مثلان ، ويستحيل اجتماع اثنين منهما في المحل الواحد ، إذ يتضاد المثلان عند أهل الحق تضاد الخلافين الضدين ، ولذلك أحالوا اجتماع السوادين ، كما أحالوا اجتماع السواد والبياض بالأكوان في المكان الواحد بتعاقب متماثلة ولا يجتمع . فيخرج من جملة ما قلناه إن من نفي المماسة أطلق القول في منع اجتماع كونين في المحل الواحد سواء كانا مختلفين أو متماثلين . ومن أثبت المماسة لم يطلق القول بمنع اجتماع كونين ، إذ يجوز عند اجتماع مماسان في الجوهر الواحد ، ولكن يطلق القول بمنع اجتماع حركتين وسكونين في المحل الواحد سواء كانا مثلين أو خلافين . فصل [ تمييز الكونين المتماثلين عن الكونين المختلفين ] قد ذكرنا أن أخص أوصاف الكون اقتضاؤه اختصاص محله بحيز متعين . فإذا أردنا تمييز الكونين المتماثلين عن الكونين المختلفين ، كانت عبرتنا في ذلك النظر في أخص وصف الكون . فكل كونين أوجبا الاختصاص لمكان واحد ، فهما متماثلان . وكل كونين تباينا في ذلك ، وأوجب أحدهما الاختصاص بمكان والثاني الاختصاص بغيره ، فهما مختلفان . وإيضاح ذلك بالأمثلة : أن الجوهر إذ استقر في حيز زمانا وتتابعت أكوانه فهي متماثلة من حيث أوجب كل كون ما أوجبه سائر الأكوان . فإذا زال الجوهر إلى مكان آخر ، فالكون الذي خصصه به يخالف الأكوان التي خصصته بالمكان الأول . وذهب بعض من لم يحصل حقائق الأكوان إلى أن الكون في المكان الثاني ، يماثل الكون في المكان الأول . وإنما حمله على ذلك تماثل المكانين . فقال مرتبا على ذلك : إذا تماثل المكانان تماثل الكونان ، فيهما ، ولم يوجب تغاير المكانين اختلاف الكونين . واستشهد في تقدير ما رامه بأن قال : إذا اختلف محل السوادين لم يجب حكم اختلافهما لتغاير محليهما . وهذا باطل . والصحيح الحكم باختلاف الكونين لأن الخلافين : كل شيئين لا يسد أحدهما مسد الآخر . وهذا المعنى متحقق فيما نحن فيه . فإذا الكون الذي يوجب اختصاصا بمكان لا يوجب اختصاصه بمكان آخر . وقد أطبق المحققون على أن الكون الذي أوجب الاختصاص بالمكان الأول لو أعيد ، لأوجب في العود ما أوجبه في البدأة .