عبد الملك الجويني
240
الشامل في أصول الدين
يوجد منه إلا كون في كل مكان ، فيلزم أن يقول كلها سكنات ، والجوهر ساكن في مروره . هذا خلاف المعقول والتفرقة معلومة بين الحركة والسكون ، كما أنها معلومة بين كل مختلفين . وهؤلاء افترقوا فرقتين : فصار صائرون إلى منع اطلاق اسم السكون على الكون الأول في المكان الثاني مع الاعتراف بأن الكون الأول مثل الكون الثاني . وذهب فريق إلى أن الكون المسمى ، فإنه حركة تخالف الكون الثاني المسمى ، فإنه سكون . فأما من اعترف تماثل الكونين فلا نظهر معه الاختلاف في المعنى . إذ من حكم المثلين وجوب تساويهما في جملة صفات النفس . وكون السكون سكونا من صفات النفس . فإن نازع منازع في إطلاق تسميته فلا نعبأ به مع الاتفاق في المعنى . وإن زعم هؤلاء أن الكون الأول يخالف الكون الثاني في المعنى ، فهو باطل . وذلك لأن الكون الأول أوجب اختصاص الجوهر بالمكان الثاني ، كما أن الكون الثاني أوجب اختصاصه به . ووجه اختصاصه في الحالة الثانية كوجه اختصاصه في الأول . ولو جاز تقدير الفرق بين الحالة الأولى والثانية ، جاز الفرق بين الثانية والثالثة ، فإن الأكوان متجددة غير باقية . فإن قيل : الكون الأول في المكان الثاني أوجب الخروج عن المكان الأول ، والكون الثاني لا يوجب ذلك ، فلزم اختلاف الكونين من هذا الوجه . قلنا : هذه زلة وغفلة عن حقائق الأكوان ، ولا معنى لقول القائل : الكون الأول في المكان الثاني يوجب الخروج من المكان الأول . فإنه لا معنى للخروج من الأول إلا الدخول في الثاني ، فرجع محصول هذا القول إلى أن الدخول في المكان الثاني يوجب الدخول فيه ، فيفضي سياق الكلام إلى أن الكون يوجب نفسه ، وهذا محال . وإن فسر الخصم ما قاله بأن الكون الأول في المكان الثاني يضاد الكون الأول في المكان الأول ، فهذا المعنى متحقق في الكون الثاني في المكان الثاني ، إذ هو مضاد للكون في المكان الأول . فقد ثبت تماثل الكونين : الأول والثاني من حيث المعنى . واطرد ما قاله أهل الحقائق من أن الحركة عن المكان سكون في المكان الثاني . فصل [ وجوه مناقضة المعتزلة أصولها في الأعراض ] قد ناقضت المعتزلة أصولها في الأعراض من وجهين في أحكام الأكوان : أحدهما : أنهم قالوا ببقاء معظم الأعراض ومنعوا بقاء الحركة ، ثم اختلفوا بعد ذلك : فصار بعضهم إلى أن السكون لا يبقى كالحركة ، وإنما حملهم على القول بذلك علمهم بأن الجوهر إذا