عبد الملك الجويني
238
الشامل في أصول الدين
فترات الأرض ، إذ ليس تجويز فترة أولى من تجويز فترات . وسنستقصي ذلك عند كلامنا في الرد على أصحاب الهيئة . ومن زعم أن الأرض هاوية بثقلها ، فما قاله باطل من أوجه : أحدها : أن كل ثقيل إذا كان ممسكا بعماد مثلا وعليه أجسام خفيفة كالقطر ونحوه ، فإذا زال العماد يهوي الجسم الثقيل مسرعا في هويه . فلا بد أن ينقطع عنه الجسم الخفيف . فلزم من هوي الأرض أن لا يستقر عليها جسم خفيف . وأقرب من ذلك أن أثقل الجسمين أسرع هويا في مجرى العادة عندنا وفي حكم الطبيعة عندهم . فلزم على قياس ذلك أن يقال : لو تردى شخص مع سطح ، لا ينتهي إلى القرار أبدا . ومما يوضح ذلك : أنها لو كانت هاوية ، لازداد الخلق كل يوم من النجوم بعدا ، فإنها جارية في مركزها من الجو وليست بها بسطة باتفاق منهم ، إذ لو كانت هابطة ، للحقت الأرض لحوق المتردي من علو إلى سفل السفل . ويتعلق بالذي نحن فيه فصل صار إليه بعض الفلاسفة وكثير من الإسلاميين ، فقالوا : إنما يضبط الأرض الهواء المحيط بها والهواء غيرها ، وهو الذي يمسك السماء أن تزول . ولو ارتفع الهواء ، لاصطكت السماء والأرض ، ولتصعدت الأرض ، وتسفلت السماء ، متسرعة كل واحدة إلى درك صاحبتها . وسنذكر ذلك في آخر الأكوان إن شاء اللّه . ومن تمويهات النظام الصورة التي قدمناها في صدر الكتاب ، وهي أن نقدر بئرا عشرين باعا ، وفي وسطها خشبة معرضة تقسم بشطري البئر ، وقد ربط بالخشبة حبل ، والطرف الآخر متصل بأسفل البئر مرتبط بدلو . فلو دلينا إلى الخشبة محجنا « 1 » وأنشبنا طرف المحجن بالحبل وجذبناه ، فيقطع المحجن عشرة أبواع ، ويقطع الدلو عشرين باعا وهو عند المحققين لسرعة حركة الدلو وفترات المحجن ، وهو كفترات القطب مع سرعة أطراف الرحا . وقد قدمنا فيه قولا مقنعا . فإن قال : لو تحرك المحجن بأسرع حركة فما قولكم فيه ؟ قلنا : لو كان كذلك لانقطع الحبل إذا ، كما صورناه في أطراف الرحا مع القطب . فلو قال قائل : إذا ارتفع المحجن ذراعا والحبل ناشب في مجرة ، فينبغي أن لا يرتفع في الدلو إلا ذراع ، إذ ارتفاع الدلو بقدر ضرب الحبل . قلنا : هكذا نقول : فلا يرتفع أبدا إلا بقدر ارتفاع الحبل ، ولكن المحجن إذا ارتفع
--> ( 1 ) المحجن : كل عود معطوف الرأس معوج ( ج ) محاجن .