عبد الملك الجويني
232
الشامل في أصول الدين
إلى الجوهر الأول الذي هو طرف الخط عن مكانه ، وشغل المكان الذي بين يديه ، وتبعه الجوهر الثاني والثالث ، ولم ينقطع الخط ، فأخذ الجوهر الثاني مكان الجوهر الأول ، ويأخذ الثالث مكان الجوهر الثاني ، وقد أخذ الجوهر الأول مكانا جديدا . وهذا يصور تزحزح الخط [ و ] يرتب على ذلك مراده . وقال : قد كان الجوهر الذي فوق الطرف متركبا عليه بين مكانين : أحدهما المكان الذي هو أمام الجوهر الأول ، والثاني الجوهر الثاني أو مكانه . فإذا جاز أن يخرج الجوهر الأول المستقل إلى المكان الذي بين يديه ، ينبغي أن نتصور أن ينقلب الجوهر الفوقاني إلى المكان الذي وراءه مع خروج الذي تحته إلى قدام . فإن الجوهر الأعلى كان محبوسا بمكانين يمنة ويسرة . فإذا جاز خروج الذي تحته إلى المكان الذي يقدر يمنة ، جاز خروج الذي هو فوق إلى المكان الذي يقدر يسرة مع خروج الذي تحته . وهذا الذي ذكره تمويه ، ونحن نوضحه بتفصيل القول إن شاء اللّه ، ونقدم على مرامنا أصلا ، فنقول : إذا استقر جوهر على جوهر ، ثم زال منه ، وتحرك في جهة من الجهات ، وتتابعت له الحركات ، وانتفت عنه الفترات ، فلا نتصور أن يقطع جزءا من الجو إلا في وقت ، إذ لا نتصور أن يقطع مسافة في حركاته إلا بأن يماس بكل حركة جزءا في جهة حركته أو إيجاده إن لم تماسه ، ثم لا تقع مماسة إلا في وقت . ويستحيل وقوع حركتين في وقت واحد ، إذ لو جاز تقدير انتقال الجوهر عن مكانه إلى المكان الثالث في وقت واحد ، لجاز أن يخرج الجوهر من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب في وقت واحد . ووضوح ذلك يغني عن كشفه . فإن قال قائل : فهل يتصور وقوع الجوهر في جهة ثانية من غير توالي الأوقات وتعاقبها ؟ قلنا : لا نتصور ذلك مع دوام الوجود واستمراره . ولكن لو خلق اللّه جوهرا في أحد قطري الأرض ، وأعدمه في الحالة الثانية ، فنتصور أن يعيده في الحالة الثالثة في القطر الآخر من الأرض أو في أعلا عليين ، ولا نتصور ذلك إلا مع تصوير تخلل عدم . فإذا ثبت ما قلناه رجعنا إلى تفصيل القول فيما صوره النظام فنقول : لما ذكره صور ونحن نومئ إلى جميعها . فمنها أن نصور تزحزح الخط من غير تقطع فيأخذ الجوهر الثاني مكان الجوهر الأول . فلو أردنا أن نصور انقلاب الجوهر الفوقاني إلى محاذاة ما كان مكانا للجوهر الثاني قبل تزحزح الخط مع خروج الجزء الأول عن مكانه ، فلا سبيل إلى ذلك . فإن في القول به تجويز قطع جزءين في وقت واحد ، وهو الذي أنكرناه ، إذ الجوهر الفوقاني لو حاذى مكان الجوهر الثاني قبل زوال الخط ، لحاذى الجوهر الثاني ، وقد أخذ مكان الجوهر الأول ، ثم خرج من محاذاته إلى محاذاة ما كان مكانا له قبل ، وهذا ممتنع . وغرض النظّام أن نسلم له