عبد الملك الجويني

230

الشامل في أصول الدين

شبهة للمعتزلة فإن استدل من صار إلى أن الكون غير الحركة والسكون والاجتماع والافتراق بأن قال : الجوهر في أول حال حدوثه ليس بمتحرك ولا ساكن ، فإذا صورنا جوهرا فردا فليس فيه اجتماع ولا افتراق ، إذ الاجتماع والافتراق إنما يثبتان بين جوهرين ، قالوا : فقد ثبت كون خارج عن الأقسام التي ذكرتموها . وهذا الذي قالوه غير سديد ، ويتضح الانفصال عنه بأصل في الأكوان ، وها نحن نقرره : اعلموا أن من المتكلمين من صار إلى أن الجوهر في حال حدوثه ، ليس بمتحرك ولا ساكن ، ولكنه كائن ، والكون به ليس بحركة ولا سكون . وهذا ما صار إليه الفلاسفة المعترفون بخلق الجواهر . وإنما صار هؤلاء إلى ما قلناه لأن الحركة إنما هي كون في مكان بعد الكون في غيره ، وهي في التحقيق زوال . وإنما يتحقق الزوال بتفريغ مكان وشغل آخر . وإنما يتصور ذلك في وقتين ، والمسألة مفروضة في الحالة الأولى . فقد وضح أن ذلك الكون ليس بحركة . ويستحيل أن يكون سكونا أيضا ، فإن الكون ينبئ عن لبث ، وليس يتحقق اللبث في الحالة الواحدة ، كما لا يتحقق البقاء في الحالة الواحدة . ولو جاز وصف الجوهر في الحالة الأولى بكونه ساكنا ، جاز وصفه بكونه باقيا . فهذا أقصى ما تمسك به هؤلاء . والذي ارتضاه القاضي رضي اللّه عنه : أن الكون القائم بالجوهر في حال حدوثه سكون . وقطع القول بذلك ، إذ لا يكون تقدير الكون حركة من حيث كانت الحركة زوالا ، فهو سكون إذا . واستدل على ذلك بأن قال : إذا بقي الجوهر في حيزه الأول والأكوان تتجدد عليه من حيث استحال بقاؤها ، فإذا ثبت في الحالة الثانية كون والجواهر مستقر في حيزه الأول ، فهذا الكون الثاني من جنس الكون الأول . فإن خاصية الكون إيجابه تخصص الجوهر بمكان أو تقدير مكان . فإذا أوجب الثاني مع تقدير بقاء الجوهر ما أوجبه الأول ، فقد ثبت بأنهما مثلان ، ثم الكون الثاني سكون ، فكذلك الأول . وانفصل القاضي عما قاله ناصر المذهب الأول من قوله إن السكون لبث ، وليس يتحقق اللبث في الحالة الواحدة ، فقال القاضي رضي اللّه عنه مجيبا : هذا قول من لم يحصل علم الباب ، فإنا لو شرطنا في تثبيت السكون ما ذكره هذا القائل ، لما تصور سكون أصلا ، إذ السكون عرض والعرض يستحيل بقاؤه . فما من كون إلا ويوجد دائما ، بل يوجد ويعدم كما وجد ، فينبغي أن لا يوصف كونا بكونه سكونا . أو يزعم أن اسم السكون ينطلق على كونين متعاقبين في وقتين ، فلا يرجع السكون إلى معنى واحد . وهذا ما لم يصر إليه صائر من أهل التحقيق .