عبد الملك الجويني
229
الشامل في أصول الدين
كذلك ، بل هو الجبائي أبو علي وليس بأبي هاشم . وحقيقة هذا المذهب أن الجوهر يختص بمكان أو تقدير مكان ، ثم الكون يخصصه ويطرأ عليه الاجتماع والافتراق والحركة والسكون ، وهي أغيار للكون المقتضي تخصيص الجوهر بالمكان أو تقدير المكان . وهذا الذي صار إليه هؤلاء يفضي إلى خلط العلل بما يتوقع من المعاني المقترنة بها ، حتى يقال : ليس العلم اعتقاد الشيء على ما هو به ، وإنما هو معنى زائد عليه . والذي ألزمناهم أولا واضح مما قدروه ، فإنهم أجمعوا على أن حقيقة العلم هو اعتقاد الشيء على ما هو به مع طمأنينة النفس وركونها إلى المعتقد ، فنقول لهم : فاجعلوا الطمأنينة والركن معنى زائدا على الاعتقاد ، كما جعلتم السكون في المكان زائدا على الكون فيه . وهذا ما لا يجدون فيه فصلا . وعلى نحو ذلك نطرد عليهم الإلزام في جملة المعاني . وجملة القول في ذلك : أن كل حكم لم يتقرر في المعقول ثبوته دون معنى ، لم تقم دلالة على إثبات معنى سواه ، ولا يثبت فيه علم ضروري ، فيجب القطع باتحاد المعنى ونفي ما تقدر سواه . والساكن في المكان لا بد من أن يكون كائنا فيه ، ويستحيل كونه ساكنا غير كائن . ولم تقم دلالة على إثبات معنى زائدا على الكون ، فيجب القطع بنفي ما عداه . وقد تمسك الأستاذ أبو إسحاق عليهم بخرق واحد فقال : إذا زعمتم أن الكون غير الحركة والسكون ، فجوزوا كونا في مكان مع الحركة عنه . فإنهما غيران وليسا بضدين . وهذا فيه نظر . وللخصم أن يقول : الحركة إلى المكان الثاني مشروطة بالكون فيه . والكون في المكان الثاني هو الكون في المكان الأول . ومن ذلك استحال الحركة إلى المكان الثاني مع الكون في المكان الأول . ومما يوضح الرد على هؤلاء أن نقول : إذا زال الجوهر عن مكان إلى مكان فما معنى زواله ؟ وما المراد بالزوال ؟ فإن قالوا : المراد به الخروج عن المكان الأول ، روجعوا مع ذلك حتى يفصحوا بأنه دخول في المكان الثاني ، إذ كل دخول خروج بإجماع . ثم لا معنى للدخول في المكان الثاني إلا الكون فيه بعد الكون في غيره . فوضح بذلك انصراف الحركة إلى نفس الكون في المكان الثاني ، فإذا ثبت أنها كون فيه . فإن أثبت الخصم ما قدرناه كونا آخر ، فقد اعترف بكون الحركة كونا ، أو ادعى بعد ذلك كونا ثانيا . وليس من ادعى كونا ثانيا ، أولى ممن ادعى كونا ثالثا ، وهذا واضح لمن تأمله .