عبد الملك الجويني
227
الشامل في أصول الدين
نفس الجوهر ، وهذا العرض نفسه ، وهذا نفس العرض . فلو استعمل الجسم موضع استعمال النفس فيما ذكرناه ، لم يسغ . فبطل ما قالوه من كل وجه . فهذا وجه الرد على هؤلاء ، وقد أوضحنا طرق الرد على المخالفين في المعنى . ومما يجب العلم بتقدس الباري سبحانه وتعالى عنه التحيز والاختصاص بالجهات وضروب المحاذيات . والكلام في ذلك تتشبث أطرافه بالأكوان . ونحن الآن نذكر غررا من أحكام الأكوان على إيثار الاختصار منها على جمل من الدقيق والجليل إن شاء اللّه . فصل مشتمل على فصول من الأكوان فإن قال قائل : قد كثر ترداد الأكوان في خلل عباراتكم ، فما الذي تعنون بها ؟ قلنا : الكون قد يطلق والمراد به الحدوث ، ثم يعم ذلك جملة الحوادث . وليس هذا من غرضنا في هذا الباب . وقد يطلق الكون والمراد به ضروب من الأعراض يجمعها حدّ ، وتحتوي عليها حقيقة . فالكون ما أوجب تخصص الجوهر بمكان ، أو تقدير مكان . ويندرج تحت هذه الجملة الحركة والسكون والاجتماع ، والافتراق ، والمماسة على اختلاف فيها . وكل عرض من هذه الأعراض يتضمن تخصيص الجوهر بمكان أو تقدير مكان . فإن قائل قال : سميتم هذه الضروب أكوانا تلقيبا منكم واصطلاحا ، أم تزعمون أنه اسم لغوي ؟ قلنا : ليس ذلك من الاصطلاحات ، بل هو من محض اللغة ، وذلك أن العرب تقول : كان زيد في الدار ، وهو كان في الدار . وليس يعنون بذلك إلا اختصاصه بالذات . وإذا قالوا : زيد كان عندك ، أرادوا بذلك اختصاصه بناحيته وجهته . وإذا نفوا كون زيد في الدار ، لم يريدوا نفي ذاته ، بل أرادوا نفي كونه . إذ من المستحيل انتفاء ذاته مع وجودها . فوضح بما قلناه جريان الكون بمعنى الاختصاص بالأماكن والجهات في لغة العرب . فإن قيل : هل تسمون سائر الأعراض أكوانا أم تخصصون بالأكوان ما قدمتموه ؟ قلنا : ما صار إليه معظم المحققين أن الأكوان هي الحركة والسكون والاجتماع والافتراق والمماسة ، ولم يطلقوا ذلك على سائر الأعراض . وذهب الأستاذ أبو إسحاق إلى تسمية سائر الأعراض أكوانا ، ولم يصر في ذلك إلى محض التسمية ، بل راعى فيه ضرب من المعنى . وذلك أنه قال : إذا اختص الجوهر بمكان أو تقدير مكان ، افتقر في اختصاصه إلى كون يخصصه به . ثم كل عرض مختص بمحل اختصاص الجوهر بمكان ، وإنما اختص