عبد الملك الجويني
223
الشامل في أصول الدين
والتركيب مما يستحيل تقدير وقوع الفعل دونه ، فوجب طرده . وهذا الذي ذكروه اقتصار على محض الدعوى . فمما اشتمل عليه كلامهم قولهم : إنا نستدل على كون القديم فاعلا بكوننا فاعلين ، وليس الأمر على ما قدروه ، فإن كون القديم فاعلا مخترعا يمكن الاستدلال عليه مع الإضراب عن الاستشهاد بالفاعلين المحدثين . والسبيل في ذلك أن يقال : إذا ثبت جواز الفعل واستحالة وقوعه بنفسه ، ثبت افتقاره إلى فاعل مخصص . فوضح بطلان قاعدة المشبهة . ومما يشتمل عليه كلامهم مصيرهم إلى وجوب مماثلة الدليل المدلول ، ولو من بعض الوجوه . وهذا جهل منهم بمواقع الأدلة . ولا غرو ، فهم متطفلون بالتمسك بطرائق العقل ، وقد يستدل بالعدم على الوجود ، وبالوجود على العدم ، فبطل قول من ادعى مماثلة المدلول الدليل . ومما انطوى عليه كلامهم ، وهو من أعظم الزلل في الدين ، إفصاحهم بمشابهة الرب سبحانه وتعالى الفاعل المحدث من بعض الوجوه . وقد أبطلنا ذلك في باب التماثل . واسلك معهم - إن دعت الحاجة إلى تقرير ذلك - طريق القول بنفي الأحوال ليتبين في أوجا ما تقدر استحالة التماثل من وجه مع الاختلاف من وجه . ثم نقول : ألستم قلتم لا يجب مشابهة الدليل المدلول من كل وجه ، فلم زعمتم أن التركب من الوجوه التي يجب الاشتراك فيها ؟ فإن رجعوا فقالوا : لا نعقل فاعلا ليس بجسم ، فهو عود منهم إلى الشبهة الأولى . وقد قدمنا في ذلك قولا مقنعا . ومما استدل به الكرامية أن قالوا : الموجود ينقسم إلى ما يقوم بنفسه ، وإلى ما لا يقوم بنفسه ، وليس بينهما منزلة ليست في أحدهما ، كما أن الموجود لا يخرج عن أن يكون صفة أو موصوفا . قالوا : والقائم بالنفس هو المتحيز . وهذا الذي ذكروه لا محصول له . أما قولهم : ينقسم الموجود إلى ما يقوم بنفسه وإلى ما لا يقوم بنفسه ، فصحيح لا مناكرة فيه . وأما قولهم : القائم بالنفس هو المتحيز ، ففي هذا أعظم التنازع . فلم قلتم إن القائم بالنفس هو المتحيز ، فلا يرجعون عند هذه الطلبة إلى محصول إلا إلى التمسك بمجرد الشاهد ، وقد أبطلناه . ثم نقول : أنّى يستقيم ذلك منكم معاشر الكرامية ، وقد خرجتم عن المعقول ، فأثبتم كائنا ليس بصفة ولا موصوف ، وذلك أن من حقيقة أصلهم : أن ما يقوم بذات اللّه تعالى من الحوادث ، تعالى اللّه عن قولهم ، ليست بصفات . إذ لا يتصف القديم بها عندهم ، بل يقوم به قول حادث وهو غير قائل به ، وقد خرج عن أن يكون صفة له . والصفة ليست بموصوفة