عبد الملك الجويني
222
الشامل في أصول الدين
وخلق له الحياة والعلم والقدرة ، لكان ذلك ممكنا جائزا . واعلموا أنه ليس من فرق المجسمة من ينكر ذلك ، وإنما أنكره المعتزلة دون غيرهم من أصحاب المذاهب . فوضح بذلك بطلان ما عولوا عليه من أمر الشاهد . ثم لو سلم لهم جدلا ما ادعوه شاهدا ، وقلنا لهم : كل فاعل من المحدثين جسم فليس في ذلك مستروح . فإن ذلك وإن سلم لهم تقديرا ، فلسنا نقول : إنما كان الجسم من حيث كان فاعلا ، فلم نوجب القضاء بذلك على كل فاعل . ثم أقصى ما تمسكوا به رد الغائب إلى الشاهد من غير تحقيق جمع بينهما . والتمسك بهذه الطريقة يجر إلى الدهر والإلحاد ونفي الإله . إذ لو قال قائل : لم نعقل فاعلا محسوسا إلا حادثا ، فيجب طرد ذلك . أو قال قائل : لم نشاهد بشرا إلا من نطفة ولا نطفة إلا من بشر ، فيلزم القضاء بذلك إلى غير أول ، فلا يكون المجسم فيما ذكره أسعد حالا ممن يسلك هذه الطرق التي أشرنا إليها . وسنوضح إن شاء اللّه إبطال الاستشهاد بالشاهد على الغائب من غير علة ودليل وشرط وحقيقة إن شاء اللّه . وأما ما أسندوا إليه كلامهم من إثبات العلم شاهدا وغائبا فساقط . فإنا لم نقتصر في ذلك على مجرد الشاهد ، بل أقمنا الدلالة على كون العلم علة في كون العالم عالما . ثم من شأن العلة أن تطرد ولو لم تطرد لبطل كونها علة في كل صورة . وأما الذي استروحوا إليه من الوجود فباطل . فإنا لم نتوصل إلى العلم بوجود الباري من حيث وجب للفاعل منه الوجود ، بل إنما أثبتنا ذلك بطرق نوضحها إن شاء اللّه في الصفات ، منها : أن العدم نفي محض ، والجمع بين تقديره وبين إثبات الصانع تناقض . فهذا سبيل الاستدلال ، لا ما استروحوا إليه من وجود الشاهد . ومما تمسك به المجسمة أن قالوا : المعلومات تنقسم إلى ما يعلم اضطرارا ، وإلى ما يعلم استدلالا . وما يعلم استدلالا يستند العلم به إلى المعلوم اضطرارا . فإن كل دليل عقلي ينتهي في مساقة إلى الضروريات بدرجة أو درجات . قالوا : فإذا ثبت ذلك بنينا عليه مقصودنا وقلنا : العلم بالإله وكونه فاعلا ليس من خبر الضروريات ، بل يستدل عليه بكون لمحدث فاعلا . ثم من شأن المدلول أن يشابه الدليل : إما من جميع الوجوه ، وإما من بعض الوجوه . ومن المستحيل المصير إلى أن القديم سبحانه وتعالى لا يشابه المحدث الفاعل بوجه من الوجوه . فإنا لو قلنا ذلك ، لزمنا منه نفي الوجود عن الإله ، وذلك تعطيل . فإذا لم يكن بد من تثبيت المشابهة من بعض الوجوه ، فينبغي أن يقال : ما يستحيل تقدير وقوع الفعل دونه يجب طرده في كل فاعل اعتبارا بالوجود ، قالوا :