عبد الملك الجويني

221

الشامل في أصول الدين

الحوادث لم يخل عنها ، وذلك دلالة الحدث . وقد نقض المعتزلة ذلك على أنفسهم حيث جوزوا قبول الجوهر لضروب من الحوادث كالألوان ونحوها مع جواز التعرّي عنها . ثم نقول له : بم تنكر على من يزعم أنه جسم قديم يستحيل عليه قبول الحوادث . والجسم الحادث لم يقبل الحوادث لكونه جسما ، وإنما قبلها لمعنى آخر ؟ فلا يجدون عن الجواب عن هذه الطلبة سبيلا . وربما استدلوا عند أنفسهم بأن قالوا : لو كان القديم جسما لاستحال منه خلق الأجسام . وهذا أيضا غير سديد على قواعدهم . فإنه لا يستقيم لهم دليل على إحالة كون الواحد منا خالقا للأجسام . إذ من أصلهم أنه يجوز أن يقع للواحد منا فعل مباين عن محل القدرة ، متولد عن سبب من الأسباب ، فلا يأمنون مع ذلك تجويز ثبوت الجسم خلقا لنا متولدا . ثم للمعترض أن يقول : لم يمتنع خلق الأجسام علينا من حيث كنا أجساما وإنما امتنع ذلك علينا لوجه آخر يذكر في أحكام القدر ، إن شاء اللّه عز وجل . فلم تستقم لهم دلالة في نفي التجسيم . وقد أشرنا إلى أصول عمدهم ونقضها . فصل مشتمل على ذكر شبه المجسمة والانفصال عنها ومما تمسكوا به أن قالوا : قد ثبت أن القديم تعالى مخترع على الحقيقة ، ثم تدبرنا أحوال الفاعلين شاهدا ، فلم نجد فاعلا ليس بجسم ، بل استحال ذلك في الشاهد ، فيجب القضاء بذلك على كل فاعل . قالوا : وهذا كما أن الواحد منا لما استحال أن يكون عالما من غير علم ، لزم طرد ذلك شاهدا وغائبا . وربما يستشهدون في شبههم هذه بالوجود فيقولون : لما علمنا وجوب الوجود للفاعل منا ، قضينا بذلك على كل فاعل . فإذا وجب ذلك في وصف الوجود ، وجب في الذي تنازعنا فيه . وهذا الذي ذكروه غير سديد من أوجه : أحدها أن نقول : قد بنيتم كلامكم على كون الفاعل جسما في الشاهد ، وهذا مما تمنعون منه . فإن الفاعل عندنا : كل جوهر فرد ، فلا تتصف جملة بأنها تفعل فعلا واحدا . وإذا حرك المحرك يده على الاختيار واقتدار ، فلا نقول صدرت الحركات من جملة اليد ، بل صدر من كل جزء من أجزاء اليد حركة اختص ذلك الجوهر باكتسابها . فاستبان بذلك أن ما ادعوه في الشاهد فهم منه ممنوعون ، وعن الاستدلال به مدفوعون . ويتضح ما قلناه بأن نعلمهم أن الرب تعالى لو خلق جوهرا فردا ،