عبد الملك الجويني

219

الشامل في أصول الدين

ومما يمنعهم من ذلك أيضا قولهم : إن العلم يقوم بالجزء الواحد منا ، والعالم بذلك العلم الجملة دون المحل . فبم تنكرون على من يقول : الجملة المتركبة القديمة عالم واحد بعلم قام بجزء من الجملة ، كما أن الإنسان عالم واحد عندهم ؟ فإن قال قائل : لم تنصفوا المعتزلة ووجهتم عليهم ما لا يعترفون به ، وذلك أن قيام العلم بجزء فرع لإثبات العلم وهم نفوا العلم القديم ، فكيف تقدير قيامه بجزء من الجملة أو بالجملة ؟ والجواب عن ذلك أن نقول : هذا لا يخلصهم مما أريد بهم . فإنه إذا جاز أن يختص قيام العلم فينا بجزء منا والعالم الجملة دون الجزء الذي هو محل العلم ، فلا يبعد مثل ذلك في صفة النفس ، فهلا قالوا : إن الجملة عالمة لنفسها ، ولا يقال في كل جزء إنه عالم لنفسه ، بل يثبت ذلك الحكم للجملة ولا يثبت للآحاد ، كما يثبت الحكم من العلم للجملة دون المحل الذي قام العلم به . فإن لم يبعد أن يختص العلم بمحل ، ولا يكون ذلك المحل عالما ، لم يبعد أن يختص كل جزء من النفس بصفة نفسية ، وحكم العالم للجملة دون آحاد الأجزاء ، كما أن حكم العلم للجملة فينا دون محل العلم ، وهذا ما لا جواب عنه . ومما يمنعهم عن نفي التجسيم رجوعهم إلى محض الشاهد في كثير من العقائد من غير تمسك بمعنى يوجب الجمع بين الشاهد والغائب . وذلك أنهم قالوا : القديم تعالى ليس بمرئي ، ولو كان مرئيا لوجب أن يتصل به الشعاع . فلما طولبوا بالدليل على إثبات دعواهم ، لم يرجعوا إلى أكثر من التمسك بالشاهد . فقالوا : لا نعقل مرئيا شاهدا إلا في مقابلة وجهة ، بحيث تتصل به الأشعة ، فقضينا بذلك غائبا . فقيل لهم : لم قلتم أن ما يثبت شاهدا نقضي بمثله غائبا ؟ ! فعند ذلك ترددوا ولم يبدوا محصولا . فلو جاز المصير إلى محض الشاهد ، جاز المجسمة أن يقولوا : لم نشاهد فعالا إلا جسما ، فلزم القضاء بذلك غائبا . وهذا ما لا مهرب عنه . ولو تتبعت المسائل التي راعى المعتزلة فيها محض الشاهد ، لألفيت منها الكثير . ثم إن المعتزلة طردوا عن أنفسهم شبها في التجسيم . ونحن نذكرها الآن ونوضح انتقاضها وبطلانها ، إما على الأصول كلها ، وإما على أصولهم . فمما عولوا عليه أن قالوا : لو كان مؤلفا لقام به تأليف ، ويستحيل قيام المعنى بذات القديم . وهذا الذي ذكروه غير سديد من أوجه : أحدها : أنهم أسندوه إلى فاسد أصلهم في