عبد الملك الجويني

218

الشامل في أصول الدين

وللقائل أن يقول : هذا تمسك بعدم الدليل . فلم زعمتم أن ما لا يدل العقل على وجوبه لا يثبت له الوجوب . فهذه جمل تقدح في الدلالة . ولأجل ذلك عولنا على النكتة الأولى ، فهي التي لا قدح فيها . وأما التعويل على وجوب المشاركة في سائر الصفات عند الاشتراك في الأخص ، ففيه أعظم النظر ، وقد قدمنا ترديد القول فيه . فصل مشتمل على ذكر عجز المعتزلة عن نصب الأدلة على استحالة كون القديم جسما اعلموا أن ذلك يمتنع عليهم من أوجه منها : أنهم صاروا إلى أن الواحد منا يستحيل أن يكون عالما قادرا مخترعا إلا إذا كان مركبا موصوفا ببنية مخصوصة على ما سنوضح ذلك من أصلهم . ومن قضية مذهبهم أن الشرط يجب طرده شاهدا وغائبا ، وإن امتنعوا من ذلك في العلل . ولذلك قالوا : كون الواحد منا حيا شرط في كونه عالما . فلزم طرد ذلك غائبا ، حتى نقطع بوجوب كونه حيا من حيث كان عالما . فلئن جاز طرد هذا الشرط شاهدا وغائبا ، وجب مثله في البنية ولا مخلص لهم منه . فإن قالوا : إنما نشترط البنية المخصوصة لثبوت العلم ، لا لكون العالم عالما . ثبت العلم غائبا ، للزم الحكم بالبنية . فالجواب عن ذلك أن نقول : هذا الذي ذكرتموه باطل من أوجه : أحدها : أنكم عولتم في دفع السؤال على نفي الصفات ، وسنقيم واضح الأدلة على إثباتها . ثم نقول : بم تنكرون على من يزعم أن كون الحي حيا شرط في علمه لا في كونه عالما ، كما أن بنيته المخصوصة شرط في العلم لا في كونه عالما ؟ وبم تنكرون على من يعكس عليكم ، ويشترط البنية في كون العالم عالما ، ويشترط كونه حيا في علمه ؟ فليس أحد القولين أحرى من الآخر . ولا يرجع بالتفاضل بينهما إلا إلى محض التحكم . ومما يصد المعتزلة عن نفي التجسيم أن أشياء من الأدلة لا تستقيم على أصولهم ، ومن أقواها ما قدمناه في صدر الأدلة حيث قلنا : لو تركب القديم لقامت القدرة بإحدى الجزءين أو بكل واحد منهما . وهذا يؤدي إلى إثبات إلهين مخترعين . ودلالة التمانع تنفي ذلك ، وقد بسطنا القول فيه . وهي غير سديدة على مذاهب المعتزلة من أوجه : أحدها : أن التوحيد لم يستقم على أصلهم كما أوضحناه ، فكيف يستقيم الفرع لمن لم يستقم له أصل ؟ ومما يمنعهم من ذلك أنهم جوزوا قيام تأليف بجزءين ، ولم يستبعدوا أن يقوم المعنى الواحد بمحلين . فيلزمهم على ذلك قيام القدرة بالجزءين .