عبد الملك الجويني
215
الشامل في أصول الدين
قالوا : وهذا كما أن العلم يقوم بجزء واحد من قلب الإنسان ، والعالم بذلك العلم جملة الإنسان . قلنا : هذه غفلة منكم عن مذهب الخصم . فمن قضية أصولنا أن الحكم الذي يوجبه المعنى يختص بالمحل الذي قام به المعنى ، ولا يتعداه أصلا . فالعالم من جملة الإنسان الجزء الذي قام به العلم ، والجملة لا توصف بحكم العلم ، وسنوضح ذلك في صدر التعديل والتجوير عند ذكرنا اختلاف الناس في الإنسان والمكلف على التعيين . فهذه هي الدلالة السديدة ، وبها تعتضد كل نكتة تذكر في نفي التجسيم ، وسنوضح اضطرابها على المعتزلة . وما تمسك به القاضي أن قال : من أثبت القديم جسما متركبا فمن قضية أصله أنه متحيز ، وأخص وصف الجوهر تحيزه ، فلو ثبت للقديم أخص وصف الجوهر ، للزم مساواته للجوهر في جملة صفاته ، إذ يستحيل اجتماع المجتمعين في أخص الأوصاف مع اختلافهما فيما عدا الأخص من الصفات . وهذه الدلالة قد بناها القاضي ، رضي اللّه عنه ، على أصل له قررناه في حقيقة المثلين ، وذلك أنه يقول : المجتمعان في الأخص يجب اجتماعهما فيما عداه . ثم له في ذلك طريقان : يقول في أحدهما : الاجتماع في الأخص علة في الاجتماع في سائر الصفات . ويقول في طريقة أخرى : الاجتماع في سائر الصفات واجب عند الاجتماع في الأخص وليس الاجتماع في الأخص علة موجبة . وعلى موجب الطريقين تستمر الدلالة . ومن قال من أصحابنا : يجوز الاجتماع في الأخص مع الاختلاف في سائر الصفات ، لم يرض التمسك بهذه الدلالة ، وقد قدمنا في ذلك قولا مقنعا . ومما نستدل به على غلاة المجسمة ، وهم الصائرون إلى أن القديم تعالى عن قولهم ، محدود تحيط به أقطار ، وتحصره محاذ ، ومقابلات ، ويجوز عليه التحول والانتقال والنزول والصعود ، فهذا ما صار إليه معظم المجسمة . وسبيل الكلام عليهم أن يسألوا عن دلالة حدث العالم ، فإن ترددوا فيها ، ولم يستقلوا بإيرادها ، بان عجزهم عن قاعدة الدين ، وأصل المعارف . فإن السبيل الذي به نتوصل إلى معرفة المحدث ثبوت الحدث . وإن راموا ذكر الدلالة على حدث الأجسام ، لم يطردوا دلالة إلا تقرر عليهم مثلها في الجسم الذي حكموا بقدمه ، وتدور عليهم حيرتان : إحداهما القدح في دلالة حدث العالم ، والأخرى القدح في قدم الصانع . وطرد دلالة الحدث في كل من تجوز عليه الانتقالات ،