عبد الملك الجويني
214
الشامل في أصول الدين
دون المعنى ، فهم الذين قالوا : المعنى بالجسم الوجود أو القيام بالنفس . وقد قدمنا على هؤلاء صدرا من الكلام ، وسنعقد عليهم فصلا في آخر الباب ، نوضح فيه امتناع إطلاق ذلك شرعا . وأما الذين خالفوا في المعنى ؛ فهم الذين لم يتحاشوا من إطلاق القول بأن القديم متركب من أجزاء وأبعاض تعالى اللّه عن قولهم . فنبدأ بالرد على هؤلاء ، وقد قدمنا تفاصيل مذاهبهم في أول باب المثلين . والعمدة في الرد عليهم أن نقول : لو تركب القديم من جزءين فصاعدا ، لم يخل العلم والقدرة والحياة وسائر الصفات إما أن تقوم بكل جزء ، وإما أن تقوم بواحد من الأجزاء المتركبة ، وإما أن تقوم كل صفة بجميع الأجزاء ، ونفرض ترديد الكلام في التقسيم في صفة واحدة ليكون الكلام أحصر . فإن قال الخصم : تقوم بكل جزء قدرة ، فلزم منه أن يكون كل جزء مخترعا ، وفيه تصريح بإثبات إلهين أو آلهة . فإن الذي نمنعه ونحيله نقيم على استحالته واضح الأدلة ثبوت قديمين مخترعين سواء قدرا متصلين أو منفصلين ، ولا اختصاص لدلالة التمانع وغيرها من الطرق المفضية إلى ثبوت الوحدانية بمنفصلين ؛ بل اطرادها في المتصلين كاطرادها في المنفصلين . وإن زعم الخصم : تقوم بأحد الأجزاء المتركبة ، فيلزم من ذلك تخصص ذلك الجزء بكونه مقتدرا ، خالقا ، إلها ، وإذا خلا سائر الأجزاء عن القدرة وجب أن يتصف بأضدادها ، وفي ذلك مصير إلى إثبات قديم عاجز مع إثبات قدماء غير قادرين ، وغير صفات للقديم القادر ، فإن كل جزء مقدّر ليس بصفة للجزء الذي قامت به القدرة . على أن القول بذلك يلجئ صاحبه إلى التحكم من غير تحصيل ، إذ ليس بعض الأجزاء في اختصاص القدرة به أولى من بعض . ولو قال الخصم : تقوم القدرة الواحدة بجميع الأجزاء المتألفة ، كان ذلك محالا ، فإن المعنى الواحد لا ينقسم على ذوات ، ويستحيل قيام المعنى الواحد بذاتين قائمتين بنفسيهما ، ولو جاز ذلك لجاز قيام سواد واحد بجملة جواهر العالم ، وكذلك سبيل الإلزام في كل عرض . فإذا بطلت هذه الأقسام ؛ لم يبق بعد بطلانها إلا القطع باتحاد الإله ، وانتفاء التركب والتألف عنه . فإن قال الخصم : بم تنكرون على من يزعم أن القدرة تقوم بجزء واحد ، ويثبت الحكم منها للجملة دون المحل على الاختصاص ؟