عبد الملك الجويني
213
الشامل في أصول الدين
الجسم الكثيف ستة وثلاثون جزء ، وهو الذي يجمع فيه من أقل الأجسام ستة . وكل ما ذكروه تحكم لا محصول له . وأول ما نفاتحهم فيه أن نبطل عليهم اعتبار الطول والعرض والعمق ، ففي إبطال ذلك نقض ما اعتبروه . ثم نقول : إن اعتبرتم الطول والعرض والعمق من كل قطر ، كان محالا ، فإنا إذا عمدنا إلى أحد أقطار الجسم ولم نتعداه إلى غيره ، فلا تتحقق فيه الأوصاف الثلاثة . وإن اكتفيتم باشتمال الجملة على الأوصاف الثلاثة ، فقولوا : إذا تركب جوهران ، وانضم إلى أحدهما جوهر آخر ، فقد ثبت وصف الطول والعرض والعمق في جملة هذا المتركب ، وإن لم يقرر في كل أقطاره . وهذا واضح في الرد عليهم ، ولولا أن الكلام في ذلك يرتبط بمناقشات في الألفاظ لأطنبنا فيه ، ولكن الذي التزمناه في ترتيب الكتاب الاعتناء بإيراد المعاني ، والاجتزاء بأقل ما يقع به الاكتفاء في الألفاظ والظواهر . فإن قال قائل : فما أقل الجسم عندكم ؟ قلنا : اختلفت عبارات أئمتنا في ذلك . فقال بعضهم : إذا تألف جوهران فهما جسم واحد . والذي ارتضاه القاضي وكل محقق من أئمتنا : أن الجوهرين إذا تألفا فهما جسمان ، فإن الجسم هو المتألف ، والمتألف هو الذي قام به التأليف . وقد قام بكل جوهر تأليف ، فلزم [ من ] تعدد التألف ، تعدد المتألف . لزم من تعدد المتألف تعدد الجسم . فإن قيل : فسموا الجوهر الفرد جسما . قلنا : لو تصور قيام التأليف به ، وهو فرد ، لسميناه جسما . ولكن لا نتصور ذلك ، والمعوّل عندنا في اسم الجسم على التأليف ، فمهما تحقق ، طردنا الحد . وإن لم يتحقق ، عكسناه . ولا نستبعد ذلك في أسامي النسب . فإنا إذا سمينا موجودين غيرين ، فنسمي كل واحد منهما غيرا لما تحقق كونه غيرا ، وكذا القول في الخلافين والمثلين . فهذه جمل تتشبث بالألفاظ في إطلاق الجسم قدمناها للاعتضاد بها في بقية المعاني . القول في إقامة الدليل على استحالة كون القديم جسما اعلموا أرشدكم اللّه أن الخلاف في ذلك يدور بيننا وبين فئتين : إحداهما تخالف في اللفظ والإطلاق دون المعنى ، والأخرى تخالف في المعنى . فأما الذين خالفوا في الإطلاق