عبد الملك الجويني
208
الشامل في أصول الدين
معنوي إن شاء اللّه . ثم إن شيخنا عقّب التوحيد بالإعادة . ونحن نرى تأخيرها إلى أخريات الكتاب ، واللّه الموفق للصواب . القول في الجسم ومعناه اختلف الناس في حقيقة الجسم وحدّه . فالذي صار إليه الفلاسفة : أن الجسم هو الطويل العريض العميق ، وإلى ذلك صار معظم المعتزلة . وربما عبروا عن هذا المعنى بعبارات ، ومحصول جميعها واحد . فقال بعضهم : الجسم : هو الذاهب في الجهات ، وعنى بالذهاب فيها ما قدمناه من جهة العرض والطول والعمق . وقال بعضهم : الجسم هو الذي له الأبعاد الثلاثة ، وفسّر الأبعاد بما قدمناه . وذهب الصالحي إلى : أن الجسم هو القائم بنفسه . وذهب هشام في آخر أقواله إلى : أن الجسم إذا سمّي به الإله تعالى ، وقيل : هو جسم لا كالأجسام ؛ فالمراد به أنه شيء لا كالأشياء . واختلفت مذاهب الكرامية في الجسم . فذهب شرذمة منهم إلى أن الجسم : هو الموجود . وصار آخرون إلى أن الجسم : هو القائم بالنفس . وذهب الأكثرون منهم إلى أن الجسم : هو الذي يماس غيره من إحدى جهاته . وهؤلاء افترقوا ، فصار صائرون منهم إلى تجويز المماسّة من جهة تحت ومنعها من سائر الجهات . وذهب آخرون إلى تجويز المماسّة من سائر الجهات . وألزم هؤلاء تجويز ذلك ليكون القديم محاطا بالأجسام ، فالتزموا ذلك . ولم يكترثوا به . والذي صار إليه أهل الحق أن : الجسم هو المؤلف والمتألف . والدليل على ما صرنا إليه أن نقول : وجدنا أهل اللسان ، إذا راموا الإنباء عن مفاضلة بين شخصين في الضخامة والعبالة « 1 » ، وكثرة الأجزاء يقولون : هذا أجسم من هذا ، فقد علمنا قطعا أنهم قصدوا بإطلاق هذه اللفظة التعرض لتفاضل بين الذاتين ، ثم نظرنا في جملة صفات الذات وتتبعناها سبرا وتقسيما ، فعلمنا أنهم لم يريدوا بالأجسم التفاضل في معنى ، عدا كثرة الأجزاء والتأليف فيها . فإنا لو قلنا : أرادوا بأجسمها أعلمها أو أكثرها حركة أو سكونا ، إلى غير ذلك من المعاني . فنعلم بطلان جميعها إلا ما ارتضيناه . وإذا ثبت أن الأجسم ينبئ عن التفاضل في
--> ( 1 ) عبل عبالة : ضخم وابيضّ وغلظ .