عبد الملك الجويني

207

الشامل في أصول الدين

يزال من حيث ثبت قدمها واستحال عدمها ، والفعل فيما لا يزال ممكن ، فيستحيل تناهي المقدور مع بقاء القدرة . إذ لو جاز ذلك في وقت ، جاز في كل وقت . فإن قال قائل : لا نلزمكم تناهي المقدورات من هذا الوجه ، بل نقول : ما المانع من تعلق قدرة القديم ببعض الأجناس على أن لا تتناهى آحادها ، ولكن القدرة لا تتعلق ببعض الأجناس . قلنا : هذا باطل ، فإن الذي صورتموه لا يخلو : إما أن يكون محالا أو جائزا . فإن كان محالا ، فليس في الانكفاف عن المحالات قصور في القدرة ، وليس المحال مقدورا فيسأل عن تعلق القدرة به . وإن زعم السائل : أن الذي سألت عنه ، جنس ممكن وقوعه جائز حدوثه . فيقال له : أيجوز حدوثه بنفسه أم لا يجوز ذلك ؟ فإن زعم السائل أنه يجوز حدوثه بنفسه ، فقد رد قضية العقل . ويلزمه تجويز وقوع كل حادث من غير قدرة ، وهذا يفضي إلى رد أصل القدرة . وإن قال : إنما يجوز وقوعه بالقدرة الحادثة ولا يتعذر وقوعه إلا بالقدرة القديمة . قيل له : فإن ما استحال أن يقع بالقدرة القديمة ؛ استحال أن يقع بالقدرة الحادثة ، فإن القدرة الحادثة واقعة بالقدرة القديمة فكيف ، يقدر القديم على اختراع قدرة على مقدور ، وجنس ذلك المقدور ليس بمقدور له ؟ فإذا وضح ذلك في الواحد رجعنا إلى تقدير القديمين ، فلا يخلوا حالهما : إما أن يكون كل واحد منهما ناقص المقدور ، أو يكون أحدهما كامل المقدور دون الثاني . فإن تناهى مقدورهما جميعا ، لزم من ذلك ما يلزم من تناهى مقدور القديم الواحد ، وإن عمّ تعلق قدرة أحدهما دون الثاني ، فيجري في القدر المقدور لأحدهما التمانع ، كما قدرناه في القادرين للذين لا تتناهى مقدوراتهما . فإن قال قائل : بم تنكرون على من يزعم أن مقدور الأقدر منهما يقع ؟ قلنا : هذا محال ، فإن القديمين استويا في وجه الاقتدار فيما استويا في الاقتدار عليه . فانفراد أحدهما بأجناس من المقدورات لا تثبت له مزية فيما تساويا فيه ، وهذا فصل نوضحه في أحكام القدر ، إن شاء اللّه . فهذه جمل مقنعة في التوحيد ، منبهة على جميع أطراف الكلام ، لا يشذ منها مقصد