عبد الملك الجويني

205

الشامل في أصول الدين

حدوثا ، إذا هي كون في مكان بعد الكون في غيره ، ومن ضرورة ذلك الحدث وثبوت الأولية . فإن قال قائل : هذا الذي ذكرتموه في العجز ينعكس عليكم في القدرة ، فإن من حكم القدرة التمكن من المقدور بها ، كما أن من حكم العجز امتناع الفعل ، ثم أثبتم قدرة قديمة مع استحالة مقدور قديم ، فأثبتوا أيضا عجزا قديما يؤثر في امتناع فعل فيما لا يزال ، وإن لم يؤثر في الأزل . الجواب عن ذلك أن نقول : من حكم القدرة التمكن بها إما في الحال ، وإما في المآل . وليس من شرطها مقارنة مقدورها إياها ؛ بل يجوز استئخار المقدور عنها . والذي يوضح ذلك أنا إذا قدرنا جوهرا حادثا بالقدرة ، فهو في أول حال حدوثه مقدور ، وإذا نفى ، لم يكن مقدورا في الحالة الثانية . فلو علم اللّه سبحانه وتعالى أن الجوهر سيعدم في الحالة الثالثة وهو يعيده في الحالة الرابعة ، فما القدرة على الإعادة في الرابعة ثابتة في الحالة الثانية ، وإن لم يتحقق مقدورها معها ، وإنما يقع مقدورها في الحالة الرابعة ، فلم يمتنع إذا استئخار المقدور عن القدرة ، إذا كانت القدرة باقية . وإنما يمتنع ذلك في القدرة الحادثة من حيث استحال بقاؤها ، فلم يبعد أن يكون القديم سبحانه وتعالى على صفة في أزله يصح منه لأجلها الفعل فيما لا يزال . ولا يجري العجز في ذلك مجرى القدرة ، فإنا صورنا قادرا يمتنع عليه مقدوره لمعنى يقتضي الامتناع ، ولا نتصور عاجزا عن الشيء مع مقارنة التمكن لعجزه حتى يقال : هذا متمكن مما هو عاجز عنه ، وسيظهر أثر العجز في الثاني . وهذا يوضح كون العجز مقتضيا امتناع الفعل معه من غير استئخار بخلاف القدرة ، ولذلك جاز منع القادر لو قدرنا قادرا قديما ، ولا يجوز تمكن العاجز . فهذا أقصى الامكان في تقدير ذلك . وقد ذكر القاضي في « الهداية والنقض » أن نفي القديم العاجز يستدرك سمعا وإنما قال ذلك لاعتقاده لزوم معارضة العجز بالقدرة ، كما قدمناه ، وليس الأمر عندنا كذلك ، والفصل بين العجز والقدرة واضح لا يخفى دركه على متأمل . والظن بالقاضي أنه اعتضد بالسمع ، ولم يرد دلالة العقل . وهذا ما يدل عليه ظاهر كلامه ، فإنه لم يصرح برد دلالة العقل . ولو اعتقد بطلانها ، لما تحاشى من التصريح به ، فليس من دأبه التغطية والتمويه . وهذه الدلالة لا تستقيم على أصول المعتزلة ؛ وذلك أنهم زعموا أن العجز يتقدم على المعجوز عنه ، كما تتقدم القدرة على المقدور عليه على ما سنقرره في القدر إن شاء اللّه .