عبد الملك الجويني
203
الشامل في أصول الدين
القدرة الثانية ، ولم يبق لها أثر . ولو قدر كل واحد منهما غير مستقل بالاختراع عند الانفراد ، ولا يتصور تأثير القدرة عند الاجتماع ، فإن المسألة مفروضة في مخترع واحد ، ومن حكم الواحد أن يستحيل ببعضه . فإذا لم تؤثر قدرة أحدهما عند الانفراد ، فلا أثر لها أصلا سواء قدر منفردا أو مع غيره . وهذا رمزنا إلى الدلالة ، وفي بسطها ، خروج عن مقصدنا ، وجزم بشرط الكتاب ، فإن من شرطنا فيه محاذرة التكرار ما أمكن . واعلموا - وفقكم اللّه - أن المتأخرين من المعتزلة لما استيقنوا اضطراب أدلة التوحيد على قضية أصولهم ، وعلموا أنها لا تستقيم على قواعدهم ، أبدوا عند ذلك طريقة ، انسلوا بها عن ربقة الدين ، فقالوا : ليس في العقل ما يدل على الوحدانية ، وإنما سبيل معرفتها الشرع . قال القاضي رضي اللّه عنه : وإنما العجب من أقوام يستقصون عقولا تستدل في الرؤية وخلق الأعمال ، وأبواب الهدى والضلال بالأدلة السمعية ، ويزعمون أن مدارك العقائد العقول ، ثم يكبهم اللّه لمناخرهم ، ويركسهم على رؤوسهم ، حتى يعترفوا بأن التوحيد لا يثبت عقلا . ولولا ورود السمع لجوزنا إثبات آلهة . ثم الذي ذكروه رجوع إلى السمع ، ورد له . فإن أرباب التأويل أجمعوا قاطبة على أن قوله تعالى : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء : 22 ] من حجاج القرآن . وليس الغرض منه إنباء عن مغيب ، وإخبار عن مجوّز ؛ بل مساقة مساق الاحتجاج . كقوله تعالى في الرد على من أنكر الحشر واستبعد إعادة العظام بعد ما رمّت : قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ [ يس : 79 ] . فكان ذلك احتجاجا من اللّه على المنكرين للإعادة ، المعترفين بالبداية والنشأة . فقد صرحت الآية في التوحيد بالاحتجاج العقلي بإجماع الأمة . فمن زعم أنه ليس في القرآن حجة مفضية إلى درك الوحدانية ، فقد راغم نص الكتاب ، ولم يستند بالاسترواح إلى السمع إلا التكذيب به ، عصمنا اللّه من الخبال « 1 » في الدين والضلال المؤدي إلى محادّة المسلمين . ثم نقول لهؤلاء : لو قدرنا قديمين متساويين في كمال الاقتدار ، وصورنا اختلافهما في المراد ، فلا يكون أحدهما بإيجاد مقدوره أولى من الثاني على ما قدمنا تقديره . فلو جعلنا ذلك من جائزات العقول ، لزم فيه تجويز ثبوت قادر مع استحالة وجود مقدوره ، ومع ارتفاع الموانع والدوافع . فمن ساغ ذلك في عقله فليسوغ ثبوت مقدور بلا قادر ، فإنه إن لم يبعد
--> ( 1 ) الخبال : الهلاك أو الفساد الذي يورث الاضطراب أو النقصان .