عبد الملك الجويني

201

الشامل في أصول الدين

لإحدى الذاتين بالأخرى . وقد قدمنا في ذلك قولا مقنعا . والذي يقطع الشغب ، ويحسم موارد الريب أنه إذا ثبت استواء القديمين ، واتضح استحالة تخصيص مقدر أحدهما بالحدوث ، فيلزم من ذلك امتناع المقدورين ، وفي امتناعهما خلو الجوهر عن الضدين ، واستحالة ذلك كاستحالة اجتماع الضدين . فإن قيل : فهذا الذي ذكرتموه عين دلالة التمانع . قلنا : لسنا ننكر أنها مترتبة عليها ، مقتضبة من أصولها وأركانها ، ولكن المقصد منها غير المقصد من دلالة التمانع . وذلك أنا أوضحنا امتناع المقدورين ، وانقلاب القدرة عن حقيقتها ، ورمنا في سياق دلالة التمانع تقدير المنع من أحدهما . وجملة القول في ذلك : أنا لو قدرنا قديمين ، مختلفين في الإرادة ، فنقسم القول في مقدوريهما أقساما وجميعها مستحيلة ، ولا بد من أحدها ، والخيرة إلى المستدل في فرض الاستحالة في آحاد الأقسام . فإن قال قائل : غاية ما تعلقتم به تجويز ثبوت المقدور عند ثبوت القدرة ، غير سديد . وذلك أنكم أثبتم القدرة القديمة في الأزل ، وأحلتم وجود مقدور أزلي ، وليس في الأزل مانع يرجع إلى الذات أو إلى فعل من الأفعال . فإن من استحال ذلك ، لم يستحل ما قلتموه . وأسدّ الأجوبة في ذلك أن نقول : نحن أثبتنا القدرة أزلية ، ولم نقل إنها تتعلق بمقدور أزلي ، ولو تعلقت بمقدور أزلي وارتفعت الموانع ، للزمنا تجويز وجود المقدور كما ألزمتمونا . ولكنا لا نثبت مقدورا أزليا ، بل نقول : مقدور القدرة القديمة حادث يقع فيما لا يزال ، فلا نتصور وقوع الحادث ، إلا ويجب القطع بتجويزه وإحالة امتناع وقوعه . فقد وضح إنما هو مقدور ومجوز الوقوع ، وليس من هذا القبيل ما نحن فيه . فإن تحريك الجسم مجوّز في نفسه ، وهو مقدور في ذاته ، وامتنع مع ذلك من غير تقدير مانع يرجع إلى الفعل أو إلى الذات ، والأزلي ليس من قبيل المقدورات . فوضح الانفصال عن السؤال ، واستثبت الدلالة على أصول أهل الحق ، وهي غير مستقيمة على مذاهب المعتزلة من وجهين : أحدهما : أنهم جوّزوا تقدير حالة تثبت فيها القدرة مع ارتفاع الموانع وإمكان وقوع الفعل ، ثم يمتنع وقوع الفعل بالقدرة ، وذلك أنهم قالوا : لا يستحيل وقوع المقدور بالقدرة الحادثة في أول حال حدوثها ؛ والموانع مرتفعة ، ووقوع الفعل ممكن على الجملة . والوجه الثاني أن نقول : هذه الدلالة مستندة إلى إثبات القدرة ، وقد نفى المعتزلة القدرة ، ولزمهم من نفيها نفي كون القديم قادرا على ما سنوضحه في الصفات ، إن شاء اللّه عز وجل .