عبد الملك الجويني
199
الشامل في أصول الدين
قلنا : سنجمع في ذلك طرقا عند ذكرنا سبيل الدلالة . ومما يتمسك به المعتزلة ، وبعض المنتمين إلينا ، أن قالوا : لو قدرنا قديمين لم يخل : إما أن يقدر كل واحد منهما على نصب دلالة تختص بالدلالة عليه والتعلق به ، أو لا يقدر واحد منهما على ذلك ، أو يقدر أحدهما دون الثاني . فإن لم يقدرا بان عجزهما ووضح نقصهما ، وإن لم يقدر أحدهما استبان نقصه . وإن قيل : هما جميعا قادران على ذلك ؛ كان ذلك محالا ، فإن الدال على الصانع صنعه فلا يتصور في المعقول تقدير صنع يبين اختصاصه بأحدهما ، وهذا فيه نظر أيضا . وذلك أن للقائل أن يقول : بم تنكرون على من يزعم أن نصب الدلالة على تعيين أحدهما محال ، وليس من قبيل المقدورات ؟ فلزم من عدم تصوره ، العجز والنقص ، إذ عدم تصور المحال لا يعجز القادر كاجتماع الضدين وسائر وجوه الاستحالة ، فعلى الخصم أن يوضح كون ذلك من المقدورات أو لا عند تقدير اثنين ، ثم يرتب عليه التعجيز عند عدم تصوره [ ثانيا ] . والذي يوضح ذلك أن قائلا لو قال : هل في المقدور نصب دلالة على صدق الأنبياء خارجة عن قبيل المعجزات ، ثم زعم أنه لو لم يتصور ذلك ، أفضى إلى تعجيز الإله وتناهي مقدوراته . فسبيل الجواب أن نقول : تقدير دليل آخر سوى المعجزات محال ، وعدم تصور المحال لا يوجب تعجيزا . ومما يختص المعتزلة بالتزامه أن قالوا : إذا رأينا شجرة تهتز وتتمايل ، فلا يتميز عندنا خلق الإله من خلق غيره بقضية عقلية ، فيجوز أن تكون حركتها من فعل اللّه ابتداء ، ويجوز أن تكون متولدة من سبب من الأسباب ، وسنوضح ذلك في خلق الأعمال ، فبطل ما عولوا عليه . فهذا جميع ما تمسكوا به في إثبات الوحدانية ، ولا يشذ منها شيء إلا ترديد عبارات وتكرير صيغ وألفاظ . وفيما قدمناه التنبيه على جميع مقاصدهم . ثم إن القاضي رضي اللّه عنه ذكر دلالة مقتضبة من دلالة التمانع ، وأوضح استقامتها على أصول أهل الحق ، وبطلانها على قواعد المعتزلة ، وذلك أنه قال : لو قدرنا قديمين ، قادرين ، غير متصفين بشيء من صفات النقص ، ووصفنا كل واحد منهما بالاقتدار على جميع المقدورات ، ثم قدرنا اختلافهما في الإرادة كما أوضحناه فيما تقدم ، فإذا أراد أحدهما تحريك جوهر ، وأراد الآخر تسكينه ، فليس أحدهما أولى بأن يوجد مقدوره من الثاني . فإذا فرضنا الكلام في تقدير قديمين متساويين في جملة صفات الإلهية ، وإذا كانا كذلك ، استحال تخصص أحدهما