عبد الملك الجويني
198
الشامل في أصول الدين
الواحد ، إذ لا بد للصنع من الصانع . فأما ما عدا الصانع الواحد فليس يدل عليه الفعل ، وتتعارض فيه الأقوال والأعداد . وليس إثبات اثنين بأولى من إثبات ثلاثة ، وكذلك القول في جملة المبالغ والأعداد ، فتتعارض الأقاويل ، ولا يترجح بعضها على بعض ، وتتساقط ، ويبقى الذي يفتقر الصنع إليه ، وهو الصانع الواحد . وهذه الطريقة ، وإن ذكرها الأستاذ أبو بكر ، فهي غير مرضية عند المحققين . ومرجعها يؤول إلى أنه لا دليل على إثبات ثان ، وانتفاء الدليل على الشيء لا يدل على انتفائه . وأقرب شيء في إبطال هذه الطريقة : معارضة لا مخلص منها ، وذلك أنا نقول : كما لم تقم دلالة على إثبات ثان ، لم تقم دلالة على نفيه ، فلئن دل عدم الدليل على إثبات ثان على نفيه ، فليدل عدم الدليل على نفيه على إثباته . وهذه المعارضة لا مخلص منها . ثم نقول : لو قدّر المقدر قديمين ، أفتزعمون أن انتفاء ثالث مع تقدم اثنين محال ، أم تزعمون أن ذلك جائز تحققه اتفاقا . فإن زعمتم أن ذلك جائز ، فقد نقضتم دليلكم . وإن ادعيتم استحالة انتفاء ثالث مع تقدير اثنين ، أفتدعون ذلك ضرورة أم دليلا ؟ فإذا ادعوا في ذلك ضرورة ، كانوا مباهتين غير سالمين عن أن يعارضوا بمثل دعواهم في صد مراميهم . وإن ادعوا في ذلك دليلا ، سئلوا عنه ، فلا يجدون إلى إبدائه سبيلا . ثم نقول لهم : لو فكر مفكر قبل انتهاء الأنباء السمعية إليه فقال : هذه السماء المطلة لنا ، المطلة علينا معلومة ، وليس تقدير سماء فوقها أولى من تقدير سماوات ، وتتعارض الأقوال في مبالغ الأعداد فيجب القطع بنفيها ، أفيكون ذلك دليلا أم لا ؟ فإن زعم الخصم أن ذلك ليس بدليل ولا بد من الاعتراف بذلك ، فيقال لهم : فقد تقابلت الجائزات على نحو ما حررتموه في الدلالة ، وأنّى يستقيم ذلك من أئمتنا مع تجويزهم ثبوت صفات للّه تعالى سمعية ، كاليدين ، والعينين ، والوجه لا يتوصل إلى دركها بقضايا العقول ؟ فإن قال قائل : ألستم قلتم إن من ادعى صفة للحوادث زائدة على ما استدركتها العقول من الصفات ، كان مبطلا ، وسبيل الرد عليه انتفاء الأدلة والعلوم الضرورية ؟ قلنا : من اقتصر في إيضاح فساد وادعاء صفة زائدة على الصفات على ما ذكرتموه ، كان قاصرا في استدلاله ، غير بالغ مقصده . فإن قيل : فما سبيل الاستدلال على نفي الصفات المدّعاة ؟