عبد الملك الجويني

197

الشامل في أصول الدين

فيلزم على طرد قولكم نفي العلم به لاستحالة تحيزه . وإن عنيتم بما قلتموه أن أحدهما إذا لم يعلم اختصاصه عن الثاني ، وجب نفيهما ؛ فهذه دعوى مجردة . وما المانع من اعتقاد موجودين من غير أن يختص أحدهما بوصف ليس للثاني ؟ فلا يرجعون عند الطلبة إلى محصول . على أنا نقول : بم تنكرون على من يزعم أن في المقدور خلق علم ضروري بأحدهما على التعيين ، وليس كل ما يمتنع التوصل إليه دليلا يمنع العلم به . والذي يوضح ذلك : أن من قدر قديمين ، فيصح أن يتوهم كون أحدهما جاهلا والثاني عالما ، ويتصور منه السبق إلى هذا الاعتقاد إلى أن يشتد نظره ويستقيم في بغيه الحق فكره ، ولا يتصور أن يتوهم في الموجود كونه عالما بالشيء جاهلا به ، فوضح من هذا الوجه التوصل إلى الفرق بين القديمين وبين القديم الواحد . وهذا ما لا مخلص لهم منه . ثم الذي قالوه يبطل عليهم بسوادين قائمين بمحل واحد ، فإنهما لا يتميزان بزمان ، ومكان ، ولا صفة ثابتة . ولو عدم أحدهما بضد طارئ ، للزم عدم الثاني ؛ ثم لم يمنع ذلك ، العلم بالسوادين وفي هذا نظر عندي . فإن للخصم أن يقول : يتميز السوادان بتجويز وجود أحدهما مع تقدير انتفاء الثاني ابتداء ، وليس يتحقق ذلك في القديمين . والذي لا محيص لهم منه ، تصوير صوتين متماثلين في المحل الواحد ، فإنهما لا يتميزان من الوجوه التي قدمناها ، ولا يستقيم لهم في الصوتين ما ذكروه في السوادين ، فإن الأصوات من الأعراض التي لا تبقى ويتعين زمان وجودها . فإذا فرضنا الكلام عليهم في صوتين يوجدان معا ، فلا سبيل إلى تقدير أحدهما دون الثاني . فإن حاولوا من ذلك انفصالا وقالوا : يقع التمييز بدرك السمع ، فإن العاقل يميز بين إدراك صوت واحد وبين إدراك صوتين . وسبيل الجواب عن ذلك أن نفرض الكلام في غير المدرك ، ونقول : هل يتصور منا التوصل إلى العلم بالصوتين من غير إدراك بأن نضطر إلى ذلك ؟ فإن قالوا : نعم ، ولا بد منه . قيل لهم : فبم تنكرون على من يزعم أنه يصح العلم اضطرارا بالقديمين على الوجه الذي ألزمتموه في الصوتين . وهذا ما لا جواب فيه . ومما يتمسكون به - وقد استدل به كثير من أئمتنا - أن قالوا : الصنع دال على الصانع