عبد الملك الجويني

196

الشامل في أصول الدين

على ما سنوضحه إن شاء اللّه في القدر . ومما يصدهم عن ذلك : مصيرهم إلى الفعل الواحد قد يتولد من اعتمادين صادرين من قادرين ، وهو فعل واحد ، ويلزم أن يكون فعلا لكل واحد من المتسببين . فلئن لم يمتنع ذلك لم يمتنع فعل مباشر بقدرتي قادرين ، ثم لو سلّم لهم جدلا تماثل القديمين ، لم يتسبب بذلك مرادهم . وذلك لأنهم أثبتوا جملا من المتماثلات مع الاختلاف في كثير من الأحكام ، وذلك أنهم جعلوا الإرادة للقديم لا بمحل ، مماثلة للإرادة القائمة بالمحل إذا اتحد متعلقهما مع اختلاف الإرادتين في الافتقار إلى المحل وعدم الافتقار إليه . وكذلك زعموا : أن الجهل مماثل للعلم ، وأطبقوا عليه مع القطع بافتراقهما في الصفة . وكذلك قالوا : كل عرض لا يبقى ، فهو مختص في معلوم اللّه تعالى بزمن لا يجوز تقديره قبله ولا بعده ، ومن ذلك منعوا إعادة الأعراض التي لا تبقى . ثم قالوا : إذا أوجد اللّه صوتين مثلين في وقتين ، فهما في حكم التماثل ، ولا يجوز لكل واحد منهما ما جاز للثاني من الوجود في وقته ، فبطل ما قالوه من كل وجه ، وموضع بسط ذلك الصفات . ومما تمسكوا به في ابتغاء إثبات التوحيد ، وهو عمدة الكعبي ، أن قالوا : لو أثبتنا قديمين وأثبتنا لكل واحد منهما من الوصف ما أثبتناه للآخر ، ولم ينفصل أحدهما عن الثاني بمكان ؛ ولا زمان ، ولا حيز ، فحكمهما حكم الموجود الواحد ، فإنهما لم يثبت تميزهما بمكان ، وحيز ، وزمان ، وصفة راجعة إلى الذات ، ولا نعلم التمييز بالأفعال ، فإنه ما من فعل إلا ويجوز تقديره من كل واحد منهما ، وكل موجودين لا نتصور التوصل إلى تمييز أحدهما عن الثاني ، فلا نتصور العلم بهما . واعلموا ، أن هذا الذي ذكروه مما تمسك به حذاقهم . وقد يتمسك به بعض أصحابنا ، وهو باطل غير سديد ، ولا مفضي إلى الحق ، وقصاراه الاقتصار على الدعوى . وأول ما نفاتحهم به أن نقول : بم تنكرون على من يزعم أنه يثبت قديمين موجودين ، وإن كان لا يتميز أحدهما عن الثاني ، فما المانع من ذلك ، وما المحيل له ، وما الدليل على ادعاء الاستحالة فيه ؟ ويتضح ما قلناه بطلبة وتقسيم . وذلك أنا نقول : ما المعنى بقولكم : لا يتميز أحدهما عن الثاني ؟ فإن عنيتم بذلك أن أحدهما لا يختص بحيز ، فالإله الواحد أيضا لا يختص بحيز ،