عبد الملك الجويني
194
الشامل في أصول الدين
فإن قالوا : لأن العلم إنما يعم تعلقه لقدمه ، وهم منازعون فيما ادعوه ، فإنا لا نسلم أن العلم إنما عمّ تعلقه لقدمه ، وإنما الدليل على ذلك شيء آخر سوى ما أبدوه وليس علينا إيضاحه الآن . ثم نقول : من مقتضى أصلكم أن الحكم المستفاد من المعاني إذا ثبت للذات لا لمعنى ، وكان مما يتعلق ، لزم العموم فيه . ولذلك قلتم : إذا كان القديم عالما لنفسه ، لزم أن يكون عالما لكل معلوم ، ولذلك منعتم كونه مريدا لنفسه ، ثم قلتم : إنه قادر لنفسه ، ولم تعمموا ذلك الحكم ، بل أثبتموه قادرا على بعض المقدورات دون بعض ، وزعمتم أن مقدور العبد ليس بمقدور له ، وإن لزم أن يكون معلومه معلومه ، فوضح بطلان ما قالوه من كل وجه . ومما راموا به قدحا أن قالوا : إثبات الصفة يمنع من تقدير الوحدانية ، وقرروا ذلك بالمشهور من كلامهم المأثور من مذاهبهم حيث قالوا : القدم أخص أوصاف القديم ، والاشتراك فيه يوجب التماثل في جميع صفات النفس ، وقد قدمنا صدرا من الكلام في نقض ذلك ، وموضع استقصائه كتاب « الصفات » . الفصل الثاني من الفصول الثلاثة مشتمل : على ذكر طرق تشبث بها المعتزلة في إثبات التوحيد ، لما استيقنوا بطلان دلالة التمانع على أصولهم . ونحن نذكر ما ذكروه ونتتبع ما ذكروه بالنقض . فمما عولوا عليه أن قالوا : قد قامت عندنا الدلالة على استحالة كون القديم مريدا بإرادة قديمة ، ووضحت الحجة على من يزعم أنه مريد بنفسه ، فلم يبق إلا أن يكون مريدا بإرادة حادثة ، ثم قامت الدلالة على استحالة قيام الحوادث بذات القديم سبحانه وتعالى ، فتعين إثبات إرادة لا في محل . فلو قدرنا قديمين فلا اختصاص للإرادة بأحدهما لما قررتموه ، فيلزم أن يكون كل واحد منهما مريدا بتلك الإرادة . وهذا يوجب أن توجب العلة الواحدة حكمين لذاتين ، وذلك مستحيل كما يستحيل أن يوجب العلم الواحد كون ذاتين عالمتين ، وكذلك القول في جملة المعاني الموجبة للذوات أحكامها ، فلما أدى إثبات الاثنين إلى هذا المحال ، لزم القطع ببطلانه . وهذا الذي ذكروه مضمحل ، لا محصول له . وذلك أنهم بنوه على إثبات إرادة لا في محل ، ولا سبيل لهم إلى إثبات ذلك أبدا . ثم نقول : بم تنكرون على من يزعم أنه لاستحالة في كون القديمين مريدين بإرادة واحدة لا في محل ؟ وليس سبيلهما سبيل ما استشهدتم به من العلوم والقدر ونحوها ، وذلك