عبد الملك الجويني
193
الشامل في أصول الدين
مختصرين . فمما قالوه : أن التمانع إنما يستقيم مع اختصاص كل قديم بمقدور ، ويقدح في ذلك تجويز مقدور بين قادرين ، ومن قضية أصلكم تجويز ذلك ، فبم تنكرون على من يزعم أن مقدور كل واحد من القديمين يقع مقدورا للثاني ، وفيه إبطال التمانع ؟ قلنا : هذا باطل من وجهين : أحدهما : أنا نمنع مقدورا بين قادرين من وجه واحد ، وإنما تجويز ذلك من وجهين على ما سنوضحه في أحكام القدر إن شاء اللّه . فإن قالوا على ذلك : فجوزوا أن يكون أحد القديمين مكتسبا لما الثاني خالفه . قلنا : هذه غفلة منكم عن مذاهب خصومكم ، إذ من أصلنا أن الكسب لا يقع إلا قائما بالمكتسب ، فلو قدّر ذلك في القديم ، لقام به الحادث ، ولدل قيام الحوادث على حدثه . والوجه الآخر من الجواب عن أصل السؤال أن نقول : لو قدرنا تسليم ما ألزمتمونا - جدلا - من تجويز مقدور بين قادرين ، فليس ما ذكرتموه قدحا في دلالة التمانع . فإن من جوّز مقدورا بين قادرين ، لا يجب عليه أن يجعل كل مقدور كذلك . فبم تنكرون على من يجوّز مقدورا بين قادرين ؟ ويجوّز انفراد كل واحد منهما بمقدوره ؟ ثم الذي يكشف ما رمناه أن دلالة التمانع مفروضة في محاولة الخلق وإرادة الاختراع ، فمهما ثبت عجز أحدهما عن الاختراع وامتناعه عليه ، فقد وضح مقصد التمانع المفروض في الخلق ، فإذا قدّر بعد ذلك اقتدار من وجه آخر ، لم يناف ذلك ما وضح عن العجز عن الاختراع . ومما راموا الفرج أن قالوا : الإرادة قديمة عندكم ، ومن حكم الصفة القديمة المتعلقة [ أن ] تعم متعلقها ، كما أن العلم لما كان قديما ، تعلق بكل معلوم ، وكذلك لما أثبتم القدرة القديمة زعمتم أنها تتعلق بجميع المقدورات ، وتزعمون أن الإرادة تتعلق بجملة المرادات ، ومن ذلك صرتم إلى وجوب تعلقها بالخير والشر ، والنفع والضرّ . قالوا : ويلزم من ذلك إبطال التمانع ، فإن كل واحد من القديمين يجب أن يكون مريدا لمراد الثاني من حيث يجب عموم تعلق إرادته . وهذا الذي ذكروه خلف من القول لا محصول له . وذلك أنا لا نقول : إن الإرادة القديمة تتعلق بكل ما يصح أن يكون مرادا ، بأن قول : تتعلق إرادته بحدوث الحوادث ، فلا يحدث حادث إلا عن قضية مشيئته وإرادته . فأما المصير إلى أنه يريد كل ما يتصور أن يراد ، فمحال ، لا يصير إليه صائر . وأما استرواحهم إلى العلم ، ووجوب تعلقه بجميع المعلومات ، فالجواب عنه من وجهين : أحدهما أن نقول : ما الجامع بينهما ؟ ولم زعمتم أن الإرادة في عموم التعلق معتبرة بالعلم ؟