عبد الملك الجويني
190
الشامل في أصول الدين
فإن قيل : فكيف يتحقق مقدور ولا يجوز وقوعه ؟ قلنا : كل ما امتنع فيه الوقوع لنقص في القدرة ، أو لوصف في المقدور ، فهو يناقض كونه مقدورا ، وكل ما رجع الامتناع فيه إلى وصف آخر ، فلا يناقض كونه مقدورا على الجملة . فإن قالوا : فنحن نقول في الظلم ما قلتموه في خلاف المعلوم . قلنا : لا نشهر لكم ذلك ، فإنا إذا قدرنا الوقوع في الشيء ، قدرناه معلوما ، وليس في تقديره معلوما تغيير صفته ، وتبديل خلافه ؛ إذ لا وصف للمعلوم بكونه معلوما راجع إلى ذاته ، وأنتم أضفتم منع وقوع الظلم إلى جنسه . ولو قدر واقعا ؛ للزم قلب جنسه . فقد أوضحنا افتراقنا ، وسنشبع في ذلك قولا إن شاء اللّه . ومما يصدهم عن الدلالة التمانع أن أقصى ما تفضي إليه قضية التمانع أن يريد أحد القديمين فلا يتم مراده ، فيستدل بذلك على نقص من لم ينفذ مراده . وكيف تطمع المعتزلة في التعلق بذلك مع مصيرهم إلى أن معظم ما يجري على العباد على خلاف إرادة اللّه ، وهذا ما لا حيلة لهم في دفعه . فمما راموا به انفصالا أن قالوا : الرب تعالى عندنا قادر على أن يضطر الخلق إلى الطاعة ، ويلجئهم إليها كرها ، فلم يلزمنا تعجيز الإله ووصفه بالنقص . وهذا الذي قالوه من تمويهاتهم التي يستزلون بها الهمج والرعاع . وسبيل الكشف فيه أن نقول : هذا الاضطرار الذي أطلقتموه ، [ أ ] عنيتم به خلق الطاعة فيهم ، أم عنيتم به تخويفهم بالمعاطب والمهالك ، وإظهار الفظيع من الآيات ؟ فإن عنيتم بالاضطرار خلق الطاعة ، لم يستقم . فإن المطيع عندكم من فعل الطاعة ، فلو خلق اللّه الطاعة لكان هو المطيع ، وهو إنما يريد طاعة العبد ، وليس في خلق الطاعة تحصيل المراد . وإن عنوا بالاضطرار التخويف . قيل لهم : هذا ما لا ملجأ فيه من وجهين : أحدهما : أنه قد يقع في المعلوم إباء الملجأ المضطر عن ما اضطر إليه . وإن أيقن بالمعاطب والمهالك ، فقد يأبى ما ابتغي منه مستسلما للهلكة ، مستبسلا فيها ، غير مكترث بروحه . والذي يوضح ذلك : أنا نجد شاهدا أقواما يرام منهم مرام ، ويقطّعون إربا إربا ، وهم