عبد الملك الجويني

19

الشامل في أصول الدين

الخواطر . ومن ادعى أن كل من غفل قارن أول غفلة اعتراض الخواطر ضرورة ، فقد ادعى ما يكذبه كافة العقلاء فيه ، وهذا لا خفاء به . والذي يوضح ذلك أن الخاطرين يرجعان إلى التشكك ، والتشكك من أضداد المعرفة باللّه ، وقد أطبقت المعتزلة على منع وقوع معرفة اللّه ضرورة ، فكيف يستجيز وقوع الشك في اللّه ضرورة من فعل اللّه ، من يمنع وقوع المعرفة كذلك . ومن أعظم أصول القوم في القدر : إن الرب تعالى لا يخلق الكفر . فالشك في اللّه كفر به ، فكيف يهدمون معظم أصولهم في القدر ببهت صريح . فاتضح بما قلناه : فساد ادعاء الضرورة في الخواطر . ومما نقرره أيضا أن ذا الخاطر يعلم من نفسه اقتداره على خواطره في ترديده إياها في المذاهب التي يبتغيها ، كما يعلم كل قادر من نفسه حال القادرين . ولما ضاقت مسالكهم فيما ألزموا قالوا : يبعث اللّه تعالى إلى كل غافل في أول غفلة ملكا ينذره ويلقي في روعه تردد الخواطر . وهذه جهالة منهم عظيمة . وأول شيء يبطلها أن كل غافل في أول حاله لا يجد ذلك من نفسه ، وإن خطر له ذلك ، فلا يكون إلا بعد أن تحنكه التجارب « 1 » . فأما أن يدعي ذلك في أول حالة التمييز ، فالأغلب على العقلاء خلافه . ثم يقال لهم : من أصلكم أنه لا يسمع إلا الصوت ، ومذهب جمهوركم ألا كلام إلا هو صوت . أفتزعمون أن الملك يسمع كل غافل صوتا أم تأبون ذلك ؟ فإن ادعوه بانت جهالتهم : إذ المحسوسات لا تنكر ، وقد ادعيتم على كافة العقلاء سمع صوت ، وكلهم ينكرونه أو جلهم ، وإن لم يثبتوا كلام الملك صوتا ، نقضوا أصولهم بإثبات كلام ليس بصوت ، ونقضوه أيضا في جواز تعلق السمع فيما يخرج عن قبيل الأصوات . ثم لا ينفعهم شيء مما قالوه على تناقضه . ويعود عليهم ما سبق من التقسيم . فيقال لهم : فأكثر ما في كلامكم أن يكلم الملك الغافل ، ولا تقولون إنه يحدث في قلبه فكرا . فإنكم مجمعون على القول بالتولد على إحالة توليد المعاني في القلوب ، ويستحيل من المحدثين إيقاع الأفعال مباشرة في غير مجال قدرهم . فإذا وضح ذلك ، فالمكلم بالخيار في أحداث الخواطر والانصراف عنها . ثم يقال لهم : قد تورطتم فيما منه فررتم من حيث لا تشعرون ، وأثبتم توقف وجوب النظر على انبعاث رسول واحد إلى كافة البرية ، ثم قادتكم حيرتكم إلى إثبات رسول في حق

--> ( 1 ) حنكته التجارب : هذبته وأحكمته .