عبد الملك الجويني

189

الشامل في أصول الدين

تجوزوا ذلك ؛ فهو لا يلائم أصلكم ، لأن المقدور والقدرة جميعا مخلوقان للّه ، فما المانع من أن يخلقهما لعبد ولا يخلق له علما ؟ الجواب عن ذلك أن نقول : هذا الذي عكستم ليس بنقض عن ما ألزمتم ، وأقصى ما فيه اعترافكم بلزوم السؤال مع ادعائكم أن الغير يلزمه مثل ما لزمكم ، وهذا تأس منكم على قضية زعمكم بالانقطاع . فكأنكم قلتم : كما انقطعت حيلنا ، انقطعت حيلكم . ثم نقول : لا يلزمنا شيء مما ذكرتموه ، فأما ظهور المعجزة على أيدي الكذابين فمحال غير مقدور ، فقولوا : الظلم غير مقدور ، وألحقوا مذهب النظّام . وأما ما ألزمونا من صدور الأفعال منا ونحن غير عالمين بها ، فأسدّ الأجوبة أن نجوز ذلك ولا نمنعه . فإذا قالوا : في تجويز ذلك إبطال دلالة الإحكام والاتقان على العلم . فنقول : هذا غير لازم ، فإن محكم الأفعال هو اللّه ، والإحكام إنما يدل على علم المخترع دون المكتسب . والأفعال المحكمة ، وإن وقعت غير معلومة لمكتسبيها ، فقد وقعت معلومة لمخترعها ومنشئها ، فاندفع هذا السؤال ، واكتفينا فيه على ما يقع به الانفصال ، وسنبسط القول في القدر . وأما خلاف المعلوم ، فلا معنى لتخصيصهم إيانا بإلزامه ، فإنهم ملتزمون عين ما ألزمونا ، فقد استوى العدمان فيه ، وبقيت عليهم الطلبة في الظلم . ثم نقول : المعنى بقولنا إن خلاف المعلوم مقدور ، أنه لا يمتنع كونه لمعنى يرجع إلى جنسه ، ولا يمتنع لنقض في تعلق القدرة ، وما يخرج عن المقدور ، إنما يخرج عنه إما لنقص في القدرة ، وإما لصفة راجعة إلى جنس المقدور . وإيضاح ذلك بالمثال : أن الأجسام والألوان ليست بمقدورة لنا لصفات هي عليها في أنفسها . وإذا قدر القادر على حركة ؛ فلا يقدر بعينها على مثلها على تفصيل فيه طويل ، وذلك لنقص القدرة . فأما خلاف معلوم اللّه ؛ فلم يمتنع كونه مقدورا لجنسه ، ولا يمتنع كونه مقدورا لنقص في تعلق القدرة ، فلا يمتنع وقوعه ، لأمر يختص بقضية القدرة . فلو قال قائل : فهل يجوز وقوعه ؟ قلنا : إنما يجوز وقوعه على تقدير كونه معلوما للّه تعالى ، فأما إن تقدر وقوعه غير معلوم للّه ، فهو من أمحل المحال ، ولا يجوز وقوعه كذلك ، فيدل جواز وقوعه على انقلاب العلم ، وهذا واضح لا خفاء به .