عبد الملك الجويني
185
الشامل في أصول الدين
أحدهما وكراهة الآخر ، ولا نفرضه في الحركة والسكون . فإذا خلق اللّه إرادة لحركة ، امتنع على الثاني خلق كراهته لتلك الحركة ، فقد تحقق التمانع بين الإرادة والكراهية وإن لم يتحقق بين المرادين . والجواب عن ذلك أن نقول : هذا الذي ذكرتموه ، لا يدفع عنكم السؤال ، ولا يوضح الانفصال ، وذلك أنكم قلتم : إذا خلق أحدهما إرادة لشيء ، فيمتنع على الثاني خلق كراهته لذلك الشيء بعينه ، وإنما الذي لزمكم في المراد ابتداء يرجع إلى إيضاح عجزكم عن تصوير اختلاف القديمين في الإرادة حتى إذا تصور اختلافهما ، تركب عليه تمانعهما ، فإذا رمتم نقل التمانع إلى الإرادة ، ومن قضية أصلكم أن الإرادة لا تراد ، وكذلك الكراهية ، فما لا يتصور فيه أصل الإرادة ، فكيف يتصور فيه الاختلاف في القصد ؟ وكيف يطمع من لم يجد جوابا فيما تصور فيه أصل الإرادة عن ما ألزم من عدم تصور الاختلاف أن يفرض الاختلاف فيما لا يتصور فيه أصل الإرادة ؟ وهذا لا مخلص لهم منه . فإن قالوا : الإرادة وإن لم تكن مرادة ، فتقوم الداعية إليها مقام إرادتها ، وتتحقق من كل قديم داعية إلى إرادة وكراهية . الجواب عن ذلك من أوجه يترتب جميعها على معرفة الدواعي والصوارف على أصول المعتزلة ، ولهم فيها تفصيلات سنستقصيها في خلق الأعمال إن شاء اللّه تعالى . ولكن القدر الذي ينبغي أن ننتبه له في هذا الموضع ، أن نعلم أن محصول قولهم في الدواعي والصوارف يرجع إلى العلم ، وإيضاح ذلك بالمثال : أن الحكيم إذا علم قبح شيء ، وعلم استغناؤه عنه ، وكان علمه داعيا إلى الانكفاف عن القبيح ، صارفا له عنه ، ومن علم حسن الشيء ، وقبح تركه ، وارتفاع الموانع من فعله ؛ كان ذلك داعيا له إلى فعل الحسن . فإذا وضح مرادهم على الجملة في الدواعي والصوارف ، عدنا بعده إلى وجوه الجواب . فمن أسدّ الأجوبة أن نقول : لو وقع الاكتفاء في الإرادة بالدواعي ؛ لوقع الاكتفاء بها في المراد ، كما صار إليه الكعبي ومتبعوه . ولئن جاز وقوع الإرادة غير مفتقرة إلى إرادة ، جاز وقوعها غير مفتقرة إلى الداعي ، وهذا ما لا مخلص لهم منه . ثم لو كان فيما ذكروه من الدواعي معتصم ، كان من حقهم أن يقرروه في المراد ولا ينتقلوا إلى فرض الكلام في الإرادة ، وهذا خبط ظاهر . ثم نقول لهم : قد ألزمناكم عدم اختصاص الإرادة بأحد القديمين من حيث كانت في غير محل والتزمتموها قهرا . وإن عدتم إلى المناقشة في الإلزام عدنا لكم . فإذا وضح ذلك لزم منه أن يقال : إذا ثبتت الإرادة في غير محل ، فكل واحد منهما مريد بها ، وإذا كان كل