عبد الملك الجويني
182
الشامل في أصول الدين
وهذا من أهم أسئلتهم ، فاعتنوا بفهم الجواب عنه . وسبيله أن نقول : إذا فرضنا الكلام في قادر ، مخترع ، واحد ، وقد قامت عندنا الأدلة القاطعة على أن كل ما يقع من أفعاله يجب أن يكون عالما بها ، فلو قلنا : يقع خلاف معلومه غير معلوم له ، لدل وقوعه على كونه معلوما لمخترعه ، وهو غير معلوم له ، فتجتمع فيه صفتان متناقضتان . ويلزم أن يكون معلوما غير معلوم للقادر الواحد ، وهذا غاية التناقض ، فأحلنا لذلك وقوع شيء غير معلوم لمخترعه والذات ذات واحدة . وإذا فرضنا الكلام في قديمين ، فلا يجب لأحدهما حكم من إرادة الثاني ، فإنهما ذاتان قديمتان ، فلا يجب لأحدهما حكم من إرادة الثاني ، فإنهما ذاتان مريدان بإرادتين ، ولا يثبت التناقض بين ذاتين ؛ فلا يستحيل أن يقع مراد أحدهما مكروها للآخر ؛ بل يستحيل أن يقع مراد أحدهما مكروها له بعينه ، كما يستحيل أن يقع الشيء معلوما له غير معلوم له . فلا يستقيم لهم في القديمين المقدرين ما قلناه في القديم الواحد من التناقض . فإن عادوا ومنعوا اختلاف القديمين في قضيتي إرادتهما وجوبا ، نقلنا الكلام إلى الأصل الأول على ما سبق ووضح . الأصل السابع من أصل دلالة التمانع : أن نعلم أن التمانع يرجع إلى الأفعال المتضادة دون ذاتي القدمين وصفاتهما . وإيضاح ذلك أنا إذا قدرنا أحدهما ممنوعا عن بعض ما يريده ، لم يخل : إما أن يكون ممنوعا بذات الثاني ، أو بصفة ذاته . وباطل أن يكون ممنوعا بذات الثاني . فإن ذات أحد القديمين لا تؤثر في ذات الثاني ، ولا تغير صفته في وجوب ولا جواز ، إذ لا تختص إحدى الذاتين بالأخرى ، ولو كانت ذات أحدهما منعا للآخر من فعله ، لكانت ذاته منعا لنفسه من فعل نفسه ، فإن الذاتين مستويتان في القدم ، وصفات النفس . والذي يوضح ذلك : أنا نعلم بضرورة العقل أن أحدهما لو وافق الثاني على مراده ، ولم يمنعه منه ، لنفذ مراده ، والذات ذات في الحالتين . فلو وقع المنع بها ، لوقع منع الموافقة والمخالفة . والذي يحقق ذلك شاهدا - مع تقدير القول بالتولد ، والسبق إليه اعتقادا - أن من نظر إلى آبد قوي ونحيف ضعيف ، واعتقد أن القوي يمنع الضعيف من تحريك يده لو ضغطها وربطها ، فلا يقع المنع لمجرد ذات القوى حتى يقصد المنع ويمنع . فوضح أن المنع لا يرجع إلى ذات القديم . وبمثل ذلك نعلم أن المنع لا يرجع إلى إرادة أحد القديمين ما لم يفعل منعا . فإن إرادة أحدهما صفة مختصة بذاته ، لا توجب للثاني حكما ، كما لا توجب ذاته لذاته حكما . والذي يوضح ذلك أن الآبد لو أراد ضغط الضعيف ومنعه من المشي لم يمتنع على