عبد الملك الجويني
181
الشامل في أصول الدين
والأصل الثاني خلاف المعلوم ، فإنه مقدور للّه تعالى ، وإن كان لا يقع . فإذا علم اللّه تعالى أن السماوات لا تنفطر في وقتنا ، فقد قلتم إن اللّه تعالى قادر على تصديعها وتفطيرها ، وإن علم خلاف ذلك . ثم لو وقع خلاف المعلوم ، لدل على انقلاب العلم جهلا لجواز وقوعه ، وكونه مقدورا لا يدل على ذلك كنفس الوقوع . الجواب أن نقول : أما المعجزة فيطول تتبع حقائقها ومواقعها ، وسنستقصي القول فيها في موضعها إن شاء اللّه . غير أنا نذكر ما يقع به الانفصال عن السؤال فنقول : من آيات الأنبياء قلب العصا ، وفلق البحر ، وإحياء الموتى ، وتعجيز الخلائق عن معارضة كلام بمثله وشكله ، والرب تعالى موصوف بالقدرة على جميع ذلك عموما . وهذه الأجناس من قبيل مقدورات الإله ، فلا نستنكر كون قلب العصا مقدورا ، ولكن لو وافق ذلك دعوى مدعي ، لم يكن ذلك المدعي إلا صادقا . فإن ألحّ السائل وقال : ظهور المعجزة على وفق دعوى الكاذب ، هل يستحيل ؟ قلنا : ذلك مستحيل ، فخلق الكذب على حياله ، لا استحالة فيه ، وقلب العصا على انفراده ، لا استحالة فيه ، وهذا كما نقول : خلق السواد في الجوهر مقدور الإله ، وكذلك خلق ضده ، والجمع بينهما محال ، وإن كان كل واحد منهما مقدورا . فاستبان بذلك أن ما يدل على إبطال المعجزة ؛ لا يجوز وقوعه . وقد أثبتنا جواز وقوع التمانع بين القديمين ، فاستبان انفصالنا عن السؤال . وبقريب من ذلك ننفصل على خلاف المعلوم فنقول : المعنى بقولنا : إن خلاف المعلوم مقدورا ، أنه من جنس ما يقدر عليه ، وليس يمتنع حدوثه لوصف يرجع إلى ذاته وجنسه ، فهو مقدور على هذا المعنى ، ولو وقع لكان اللّه عالما بوقوعه . ولا بعد في تقدير ذلك لفظا كما قال تعالى : وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [ الأنعام : 28 ] . فأخبر عن تقدير ردهم مع علمه بأنهم لا يردون . والمعنى لبسط القول في هذه الملة ، فإنها من دقائق أحكام القدر . ولكن الذي نبغيه في الانفصال أن نقول : يستحيل وقوع شيء ؛ واللّه تعالى غير عالم به ، فهذا عندنا من المحالات ، ولو وقع لكان اللّه عالما به ، فقولوا على طرد ذلك : إن المنع لو وقع ، لم يدل على الضعف ، كما قلنا : إن ما يقع من المقدورات فاللّه تعالى عالم بها لا محالة . وإن قدّر غير معلوم ، لا يجوز أن يقع غير معلوم ، فقود ذلك أن نقول : لا يجوز أن يقع المنع . ولهم على ما قلناه سؤال ، وهذا أقصى الإمكان وقصاراه في القدح ، وذلك أنهم قالوا : إن جاز لكم أن تقولوا : خلاف المعلوم مقدور ولا يقع إلا معلوم ، ولو قدر غير معلوم لكان محالا ، جاز لنا أن نقول : اختلاف القديمين ممكن ، جائز ، ولكنه لا يقع ، ولو وقع كان اتفاقا ، ولم يكن اختلافا ،