عبد الملك الجويني

180

الشامل في أصول الدين

مقدورا إذ لا تتعلق القدرة إلا بجائز ، وغرضنا في تمهيد هذا الأصل دفع سؤال الزائغين . وذلك أنهم قالوا : بم تنكرون على من يزعم أنه يثبت قديمين ولكنهما يتفقان في جملة المرادات ولا يتحقق بينهما اختلاف ، فيؤدي الاختلاف إلى ما أحلتموه ؟ وسبيل الجواب عن ذلك أن نقول : هذا الذي ادعيتموه من اتفاقهما واجب حتى لا يجوز تقدير خلافه ، أم هو جائز ؟ فإن زعموا أن اتفاقهما واجب ، ولا يجوز تقدير اختلافهما ، فقد أوضحنا بطلان ذلك في أول أصل من الأصول . وإن زعموا أن اتفاقهما لا يجب ، بل يثبت جوازا ، فسبيل الكلام على هؤلاء ما ذكرناه الآن من أن تجويز المنع في الدلالة على الضعف كتحقيق المنع . قال القاضي : والذي ذكرناه مستقل بنفسه ، مستغن عن الاستشهاد بتقدير منع في الشاهد . وقد ذكر بعض أئمتنا في ذلك استشهادا ، فقال : إذا نظرنا إلى باطش سوي ، ذي مرّة قوي ، ونظرنا إلى نحيف مهين ، ضعيف غير متين ، ورجعنا إلى العقول ، وقدرنا بينهما تنازعا وعلمنا أن الذي قدرناه لو كان ؛ لكان الآبد غالبا ، والضعيف مغلوبا . ثم لا تتوقف معرفة ذلك على الوقوع ، بل تعلم دونه . فإن من يشاهد ليثا هصورا يتناور أرنبا ضعيفا ، علم ضعف الأرنب وقوة الليث ، وإن لم يتفق تشاررهما . قال القاضي : في الاستشهاد بذلك نظر على أصول أهل الحق ، فإنهم يمنعون التولد ، والقول به ، ويحيلون أن يفعل محدث وإن تتامت مرّته ، وتكاملت منته ، فعلا في غير محل قدرته ، فلا يتصور تمانع بين محدثين أصلا ؛ بل من أقدره اللّه وجد مع قدرته مقدورها . وإنما يستشهد بهذه الأمثلة القائلين بالتولد ، فلا ينبغي أن نساهمهم فيما اختصوا به . وإن أردت تقرير الاستشهاد قراره ، فالوجه فيه أن نقول : لو سيق ناظر إلى اعتقاد صحة التولد غالطا ، فنعلم مع تقدير هذا الاعتقاد كما قلناه ، وهذا واضح لمن تأمله . فإن قال قائل : بل هذا الذي ذكرتموه يبطل عليكم بأصلين : أحدهما : أنكم قلتم : لو ظهرت المعجزة على وفق دعوى الحادث ، لاقتضى ظهورها بطلان وجه دلالتها على صدق الصادق . ثم زعمتم أن الباري سبحانه وتعالى موصوف بالقدرة على إظهار المعجزة على أيدي الكذابين ، فلزم على طرد ما قلتموه أن تقولوا : جواز القدرة على إظهار المعجزة على أيدي الكذابين ، يدل على بطلان وجه دلالة المعجزة على صدق الصادقين كنفس الوقوع جريا ، على ما مهدتموه من تنزيل جواز وقوع الشيء بمنزلة وقوعه .