عبد الملك الجويني
170
الشامل في أصول الدين
الفانيات الحادثات كلها بمشيئة اللّه ، وسيأتي ذلك . فهذا ما ذكره أهل الحق في الواحد ومعناه . وذهبت المجسمة إلى أن المعنى باتحاد الباري إلى أنه فاعل ، مدبر . ولم يفسروا الاتحاد بانتفاء الانقسام ، لما اعتقدوا كون الباري تعالى متصورا متركبا ، تعالى اللّه عن قولهم ، والرد عليهم يذكر من بعد . وذهبت الفلاسفة إلى أن الواحد : هو الشيء الذي ليس بكثير ولا كثرة ، وهذه العبارة ، تقارن ما قدمناه من العبارات فإنهم يعبرون بالكثرة عن العدد ، وبالكثير عن المتعدد . ويعبرون عن المساحة بالعظم ، فرجع قولهم إلى نفي العدد والانقسام . وربما تصح الحدود المنطقية على أصول الإسلاميين ، والذي نأباه من ذلك ما فيه الإيهام والاستبهام . والغرض من ذكر الحد التوصل إلى الكشف والبيان ، والواحد أقرب إلى الأفهام من قول القائل : ليس بكثير ولا كثرة . وذهب عباد بن سليمان الصميري والصالحي من المعتزلة إلى أن معنى الواحد في صفات اللّه أنه الممدوح بأن يقال له : واحد . وهذا الذي ذكراه ليس في الحدود في شيء ، إذ الاستبهام باق بعد ذكر ذلك ، كما كان قبله . وللقائل أن يقول : الرب تعالى إذا مدحه خلقه ، أو مدح نفسه لصفة من الصفات ؛ فلا بد أن تكون تلك الصفة معلومة . فإذا قال عباد الصالحي : الواحد هو إذا وصف الرب به كان مدحا . فيقال لهما : ما وجه المدح له ، فأوضحنا معناه ليستبين أنه من صفات المدح أم ليس منها . ولو ساغ سلوك هذه الطريقة ، لساغ التمسك بمثلها في جملة صفات اللّه تعالى إذا قيل : ما حقيقة كونه عالما ، قادرا ، حيا ، قديما ؟ أجرى في جميع ذلك ما ذكراه . ومما يوضح الرد عليهما أنهما فرقا الوحدانية إلى قول المادحين ، فيلزمهما على طرد ذلك نفي الوحدانية في الأزل من حيث انتفت الأقوال . ومن أصلهما القول بحدث كلام اللّه ، فلم يكن في الأزل كلام لمتكلم ، فإن باحا بما ألزما ، خرجا عن الدين ، وإن امتنعا عن التزامه ، نقضا حدهما . ومما يؤثر عن بعض المعتزلة في حقيقة الوحدانية أنه قال : الواحد هو الذي يقال فيه مع شيء آخر شيئان ، وهذا مستبشع مردود باتفاق الأمة . فإن الرب سبحانه وتعالى ، وإن اتصف بكونه شيئا ، فلا يجوز أن يقال إنه أحد الأشياء أو شيء من الأشياء ، فإن ذلك ينبئ عن التجنيس والتمثيل ، ولم يرد بذلك إطلاق في الشرع ، وهو مع ذلك باطل على شرط