عبد الملك الجويني

167

الشامل في أصول الدين

والجواب عنه هين المدرك . والذي التزمناه في كتابه التعرض لغرر المعاني ، والإضراب عن بسط القول في الظواهر ، إلا إذا مست الحاجة في بعض المسائل . ولكنا نذكر قدرا يقع به الاستقلال . فنقول : للكاف في كلام العرب موردان ؛ فقد ترد مورد الأسماء ، ثم تنقسم في هذه الجهة مواردها انقسام موارد الأسماء فتقع فاعله ، ومفعولا بها ، وصفة ، وحالا ، وتتنزل منزلة مثل . وقد ترد الكاف حرفا ، فتكون إذ ذاك صلة مؤكدة . وسبيل تمييز هذا المورد عن ما تقدم : أن تعلم أن الكاف إذا اتصلت بمثل ، أو اتصلت بكاف أخرى تعطي معنى مثل ، فيتعين تقديرها صلة زائدة مؤكدة وليس ذلك من قبيل التأويل ؛ بل هو حتم في مذاهب الكلام . ومنه قول القائل : وصاليات « 1 » ككما يؤثفين « 2 » . معناه مثل ما يؤثفين ، والكاف زائدة . وقال القائل : فصيروا مثل كعصف « 3 » مأكول . معناه مثل عصف مأكول . فاستبان ما قلناه من تقدير الكاف صلة عند انضمامها إلى مثل أو كاف في معناه . والذي يوضح ذلك أن أحدا من الأمم لم يثبت للرب تعالى مثلا ، ثم نفى عنه المثل ، فيستقيم على معتقده حمل الكاف على غير التأكيد ، فدل على أن المراد لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] أن ليس شيء مثله . وقد انبسط أهل التأويل في ذلك ، ومرجع الكل إلى ما ذكرناه .

--> ( 1 ) الوصاليات : ( ج ) وصيلة : في الجاهلية الناقة تترك للآلهة إذا ولدت أنثى فأنثى . ( 2 ) ثفاه ثفوا : تبعه وجاء في أثره . ( 3 ) العصف : دقاق التبن وحطامه فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ أي : كورق أخذ ما فيه من الحب وبقي لا حب فيه .