عبد الملك الجويني

166

الشامل في أصول الدين

الحاجة في زمنه إلى ما ذكره أمسّ ؛ إذ لا يخفى افتنان الناس في التشبيه ، مع انتفاء الريب عنهم في القدم . والوجه الآخر من الجواب أن نقول : لما كان القدم من الصفات ، آثر شيخنا تأخير ذكره إلى الكلام في أقسام الصفات ليكون الكلام في الصفات متواليا غير منقطع . وأما الذي اعترضوا به من قوله : إنه لو شابه القديم الحادث من وجه ، لكان حادثا من ذلك الوجه ، فغير سديد . ولكلام شيخنا محملان : أحدهما : أن نقول : أراد شيخنا بما قال ، التعرض للصفات الدالة على الحدث ، ( وللحوادث صفات تدل على الحدث ) من نحو التأليف ، والتحيز ، وقبول الأعراض . فأوضح - رضي اللّه عنه - أنه تعالى يتقدس عن جميعها ، إذ لو وصف بوجه منها ؛ لثبت حدثه من ذلك الوجه ، أي لو قبل ذلك ، لثبت حدثه من جهة دلالة ذلك الوجه . فهذا ما رامه بذكر الوجوه ، لا أنه جعل الحدوث وجوها . ويمكن أن يقال : أراد رضي اللّه عنه ببعض الوجوه بعض الحوادث ، ورام بذلك إيضاح استحالة مشابهة الرب لجميع أجناس الحوادث ، وإيضاح استحالة مشابهته لجنس من أجناس الحوادث ، وضرب من ضروبها . وأراد بالوجوه فنون الحوادث وضروبها ، فاستمر ما أراد ، واندفع تمويه المبطلين . وأما الذي ذكروه من الاعتراض ، في تأخير ذكر كلام اللّه تعالى ، فساقط من الكلام ، إذ ليس في مثل ذلك حرج باتفاق الأمة . على أن الأحسن ما ذكره شيخنا ، إذ الأولى لكل ناصح في الدين ، أن يشفق على المدعوين إليه ، ويقيه عن المعاطب جهده . ومن الإشفاق في ذلك توطئة كلام قبل ذكر كلام اللّه تعالى ، حتى إن قدر من المخاطب المدعو لجاجة « 1 » ولدد « 2 » ، لم يكن ذلك كجحده كلام اللّه ، ومراغمته قوله ، فمن أحسن الترتيب تليين جانب المخاطب ، وتقليل نفرته ونخوته ؛ ثم عطفه على كلام اللّه أخيرا ليطمئن إليه ، ويجتمع له الشاهدان في أصول الأديان . ثم قد استدل شيخنا بقوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] . وقد جرى الرسم بتوجيه سؤال على تحقيق معنى الكاف في قوله ، « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » .

--> ( 1 ) اللجاجة : الإلحاح ، والعناد في الخصومة والتمادي فيها . ( 2 ) اللدد : اشتداد الخصومة والجدل مع الميل عن الحق .