عبد الملك الجويني

163

الشامل في أصول الدين

فليس بين أن يكون أحدهما غير الثاني ، وبين أن يكون هو هو رتبة تعقل ، كما ليس بين الوجود والعدم منزلة معقولة . وهذا الذي قالوه اكتفاء منهم بمحض الدعوى ، واقتصار على مجرد نقل المذهب . فبم ينكرون على من زعم أن العلم والقدرة موجودان ، شيئان ، ولا يقال : أحدهما هو الثاني من حيث كانا موجودين ، ولا يقال : أحدهما غير الثاني من حيث تنبئ الغيرية عن جواز عدم أحد الغيرين ، فما الرد على ذلك ؟ وما يبطله ؟ فأوضحوه إن وجدتم إليه سبيلا . ثم نقول : لم نمتنع عن إطلاق الغيرية إلا لما فيها من إيهام تجويز العدم ، فإن أطلق مطلق الغيرية ، وعنى بذلك ثبوت الموجودين - مع التصريح باستحالة العدم - فقد أصاب معتقدنا في المعنى ، غير أنه تحكّم في إطلاق عبارة ، لم يأذن الشرع فيها . وسنشرح ذلك في الصفات إن شاء اللّه . وما حاولوا به بطلان ما قلناه في حقيقة الغيرين ، أن قالوا : إذا زعمتم أن الغيرين هما الشيئان اللذان يفارق أحدهما الثاني بالعدم ، أو الوجود ، أو المكان ، أو الزمان ، فيلزمكم على قضية ذلك أن تقولوا : إن القدرة الحادثة مع المقدور كالمتغايرين ، من حيث يستحيل ثبوت أحدهما دون الثاني . وهذا الذي ذكروه تدليس لا محصول له . فإن عين ما قدّر مقدورا ، يجوز تقديره من غير قدرة حادثة عليه ، وكذلك يجوز تقديره مقدورا مع قدرة أخرى تماثل القدرة الحادثة ، وكذلك القول في القدرة مع المقدور ، وهذا واضح لا خفاء به . وسبيل إلزامهم ذلك ، كسبيل قول القائل : لا ينبغي أن يكون الجوهر غير العرض من حيث لا يصح انفراد أحدهما بالوجود عن الثاني . ومما يموهون به على الجهلة قولهم : إن الغيرية لو اقتضت تجويز عدم ما قلتموه ، لوجب أن يقال : إن الخلق غير اللّه من حيث جاز عدمهم ، والقديم ليس بغير الخلق من حيث استحال عدمه . وهذا الذي ذكروه مخرقة ، لا محصول لها . فإنا لم نشترط في حقيقة الغيرين جواز عدم كل واحد منهما مع وجود الثاني على البدل ، ولكنا اكتفينا في حقيقة الغيرين بأن قلنا : هما الموجودان اللذان يصح عدم أحدهما مع وجود الثاني ، وهذا المعنى يتحقق في الخلق والخالق ، إذ جواز العدم يتحقق في أحدهما ، وهو الخلق . ولهم تمويهات لا تشذ عما ذكرنا أصوله ، فرأينا الاكتفاء بما ذكرنا . وقال القاضي رضي اللّه عنه : الكلام في الغيرين من أهون ما تكلم به المتكلمون ، فإن محصوله لا يرجع إلى تناكر في أمر عقلي ، وإنما هو تنازع راجع إلى مضمون اللغة وقضية