عبد الملك الجويني

159

الشامل في أصول الدين

الحوادث ، فلا مناقشة في التعبير عنها ، وإنما الذي نمنعه أن يطلق لفظ التشبيه بين القديم - سبحانه وتعالى - والحادث ، مع العلم بثبوت حقيقة الوجود شاهدا وغائبا ، ولكن العبارات عن الذات والصفات ، موقوفة عن الإذن الشرعي ، على ما سنبسط القول في ذلك في موضعه إن شاء اللّه . ومما ينبغي أن نحيط علما به ، أن السائل إذا سألك فقال لك : أيجوز أن يشترك المختلفان في صفة من الصفات ؟ فسبيل جوابك أن تقول : عبّرت عن واجب بالجائز ، ومن حكم كل مختلفين وجوب اشتراكهما في بعض الصفات ، فلا يتصور مختلفان في كل صفات الذات ، إذ لا يتحقق الاختلاف إلا بين موجودين . وصفة الوجود مما اشترك فيها الذاتان ، فاعلموه . وهذا الذي ذكرناه على القول بالأحوال . فأما إذا نفينا القول بها ، فنقطع باستحالة اشتراك المختلفين في بعض الصفات ، إذ ليس عندنا في الأحوال للذات صفات وأحوال زائدة عليه ، يتقدر الاختلاف في بعضها ، والاشتراك في بعضها . وإذا قال قائل : سواد موجود ، فوجود عين السواد كونه سوادا ، وليس بمعنى زائد عليه ، فوضح بذلك أن الذاتين ، على القول بنفي الأحوال ، لا يشتركان في صفة حقيقية ، واشتراكهما في تسميتهما موجودين يؤول إلى اللغات ، والتجاوز ، والاطلاقات دون حقائق الصفات . فإن قال قائل : إذا أثبتم للّه علما وقدرة ، وعلمتم اختصاص القدرة بصفة غير ثابتة للعلم ، فهل تقولون : إن علم اللّه وقدرته مختلفان ، أم تأبون ذلك ؟ وإذا أثبتم للّه يدين ، وزعمتم أنهما صفتان ، وليستا بجارحتين ، فكل واحدة منهما لا تختص بصفة عن الأخرى ، فهلا سميتم اليدين ، بمعنى الصفتين ، مثلين من حيث لم تختص إحداهما ؟ الجواب عن ذلك أن نقول : اختلفت أئمتنا في إطلاق القول بأن العلم والقدرة مختلفان . فذهب بعضهم إلى الامتناع من ذلك ، وقال : لا نسمي العلم والقدرة مختلفين ولا متماثلين . وسلك هذا القائل مسلكين : أحدهما أن قال : الاختلاف والتماثل لا يتحققان إلا بين غيرين ، وحقيقة الغيرين كل شيئين يجوز تقدير وجود أحدهما مع عدم الثاني ، وعلم اللّه وقدرته قديمان ، لا يجوز عدم واحد منهما ، فإن ما وجب له القدم ، استحال عليه العدم . والاختلاف والتماثل شرطهما التغاير . وسلك هذا القائل مسلكا آخر فقال : لو صح معنى الاختلاف بين الإله وقدرته في موجب العقل ، لما ساغ لنا تسميتهما مختلفين . فإن التسميات المتعلقات بالذات والصفات